أخوها وأعمامها يسبون الدين فمن يكون وليها في النكاح؟

السؤال : فتاة توفي والدها ، ولها أعمام وإخوة ، تريد الزواج ، ولا تعلم من هو الولي لها بعد أبيها ؛ لأن أعمامها يسبون الدين ، وأخوها الأكبر يسب الدين أيضاً ، ولها أخ ثان ولكنه قاصر ، ولا ترضى أن يكون وليها ممن يسب الدين ، غير أن بينهم وبين أعمامها مشاكل وخلافات ، جدير بالذكر أن لها عم يصلي حينا ، ويقول أنه يقرأ القرآن ، ولكنه أحياناً يسب الدين ، فمن يكون الولي لها ؟


الجواب :

الحمد لله

أولا:

يشترط لصحة النكاح أن يعقده ولي المرأة، أو وكيله، في حضور شاهدين مسلمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) رواه أبو داود (2085) والترمذي (1101) وابن ماجه (1881) من حديث أبي موسى الأشعري، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ” رواه البيهقي من حديث عمران وعائشة، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7557

 

وولي المرأة هو: أبوها، ثم أبوه، ثم ابنها ثم ابنه (هذا إن كان لها ابن )، ثم أخوها لأبيها وأمها، ثم أخوها لأبيها فقط، ثم أبناؤهما، ثم العمومة، ثم أبناؤهم، ثم عمومة الأب، ثم السلطان. وينظر: “المغني” (9/ 355).

فإذا كان لها إخوة فإنهم مقدمون على الأعمام.

 

ثانيا:

سبق التفصيل في حكم “سب الدين” ، وأنه قد يكون كفرا ، وخروجا من الملة .

وذلك إذا كان صاحبه يعني بذلك : دين الله ، الذي هو الإسلام ، أو غيره من الدين الصحيح الذي شرعه الله لعباده ، فيسبه ؛ فهذا كفر ، وردة عن دين الإسلام ، بلا ريب .

 

وقد يكون معصية ، كبيرة وفسقا ، لكنه لا يخرج صاحبه من الملة .

فإن بعض الناس ، بل لعل هذا هو الغالب على من ابتلي بعادة السوء تلك في بلاد المسلمين : لا يكون قصده ومراده بالسب واللعن : دين الله ، الذي هو الإسلام ، ولا غيره من الأديان ؛ وإنما يكون مراده : حال الشخص المعين الذي يسبه ، وخلقه ، وتدينه .

بل أكثر من ذلك ألا يريد شيئا من ذلك البتة ؛ وإنما هي عادة سوء ، ووصلة يتوصل بها لتأكيد سبه ، والمبالغة فيه .

ومثل هذا ، وإن كان لا يصدر إلا من أراذل الناس ، وسفهائهم ؛ إلا أنه لا يحكم بردة صاحبه عن دين الإسلام بذلك .

وينظر جواب السؤال رقم (202699) ورقم (223993).

 

وفي الحال التي لا يقصد بها سب دين الإسلام ، ولا يخرج بها عن الدين : يصح أن يتولى نكاحها أولاهم بها ، وأقربهم عصبة .

ويكون التقديم هنا : لأفضلهم ، وأمثلهم حالا ، إذا تساووا في الدرجة ، كالإخوة مع بعضهم ، والأعمام ، ونحو ذلك ؛ ولو وقع في بعض المعاصي والكبائر ؛ إذا لم يوجد من هو خير منه .

وإن كان أخوها القاصر قد بلغ، صح أن يكون وليا ، لأن بعض القوانين الوضعية تعتبر من دون 21 سنة قاصرا ، وهذا غير صحيح ، وقد جاءت الشريعة باعتبار البلوع مع الرشد ، فمن كان بالغا رشيدا ، صح أن يكون وليا في النكاح ، ولو كان عمره اثني عشر عاما .

 

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (216626) ورقم (159491).

 

وحيث كان سب الدين كفرا وردة عن الإسلام، بحسب التفصيل السابق ؛ فمن كان على ذلك ، ولم يتب منه : لم يصح أن يكون وليا في النكاح.

قال الإمام ابن قدامة رحمه الله : ” أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال ، بإجماع أهل العلم ، منهم مالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي . وقال ابن المنذر : أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ” انتهى من “المغني” (9/377).

 

لكن إذا تاب الأخ، وعاد إلى الإسلام بعد سب الدين، صح أن يكون وليا.

 

ويعرف حال الشخص ، ومن أي القسمين هو : بإقراره على نفسه ، وما أراد بسبه . أو بالنظر في قرائن الأحوال ، وما يعرف من خلقه ودينه .

 

وعلى هذه الفتاة أن تنصح إخوانها، وأن تعظهم في الله ، وأن تبين لهم سوء ما هم عليه ، وقبحه ، وشناعته ، وأن من سب دين الإسلام : لم تصح له ولاية ، بل يجب عليه أن يتوب ، ويرجع إلى ربه ، وينيب إليه .

فمن تاب منهم تولى نكاحها.

 

وعلى فرض استمرارهم على الكفر-وهذا مستبعد- فإن الولاية تنتقل إلى أعمامها، ثم إلى أبنائهم.

 

فإن لم يكن فيهم ولي يصلح، أو امتنعوا : رفعت أمرها للقاضي الشرعي ليزوجها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) رواه أحمد (24417) وأبو داود (2083) والترمذي (1102) وابن ماجه (1879) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.

 

فإن لم يكن هناك قاض شرعي ، فإنه يتولى زواجها أحد أقاربها الأمناء من جهة الأم ، كجدها أو خالها ، فهذا أولى من أن تتولى هي النكاح بنفسها ، أو يتولاه رجل أجنبي عنها . 

وينظر في حكم ترك الصلاة: جواب السؤال رقم (83165).

ثالثا:

إذا كان للمرأة أكثر من أخ فالولاية ثابتة لجميعهم ، إلا أنه يفضل أن يقدم أكبرهم للولاية.

قال ابن قدامة رحمه الله: ”  إذا استوى الأولياء في الدرجة، كالإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، فالأولى تقديم أكبرهم ، وأفضلهم؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما تقدم إليه محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل، فتكلم عبد الرحمن بن سهل، وكان أصغرهم، فقال النبي: – صلى الله عليه وسلم – كبر كبر. أي قدم الأكبر، قدم الأكبر، فتكلم حويصة.

وإن تشاحوا ولم يقدموا الأكبر، أقرع بينهم؛ لأن حقهم استوى في القرابة، وقد «كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه» لتساوي حقوقهن.

كذا ها هنا.

فإن بدر واحد منهم فزوج كفؤا بإذن المرأة، صح، وإن كان هو الأصغر المفضول الذي وقعت القرعة لغيره؛ لأنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية، بإذن موليته، فصح، كما لو انفرد. وإنما القرعة لإزالة المشاحة” انتهى من المغني (7/ 60).

 

والله أعلم.

Category: Uncategorized