أوقف المال على نفسه ثم على أوجه الخير بعد مماته .

السؤال : ترك لي الوالد قبل وفاته مبلغا من المال على أن يتم إيداعه فى البنك على أن انتفع بأرباحه حال حياته ، أو أن توزع أرباحه لأعمال الخير حال وفاته، وأوصى الوالد بذلك ، هل هذه الوصية واجبة النفاذ ؟ أم يرد أصل المال إلى الورثة الشرعيين ؟ علما إنه مبلغ بسيط ، وقد أوصى بما ذكرته على أن يكون صدقة جارية عنه .

الجواب :

الحمد لله

أولا :

إذا تبرع الإنسان بربح ماله لا بأصله وجعل ذلك على الدوام فهذا وقف .

وبناء على هذا ؛ فحقيقة التصرف الذي فعله والدك أنه أوقف هذا المال على أن توزع أرباحه في أوجه الخير بعد وفاته ، وهذا التصرف يحتمل أنه أوقفه على نفسه ثم على أوجه الخير بعد وفاته.

ويحتمل أنه أوقفه على أوجه الخير لكنه استثنى الانتفاع بالأرباح في حياته .

وهذان الاحتمالان لا يحمل عليهما تصرف والدك ، لأن الوقف على النفس أو الوقف مع استثناء المنفعة مدة الحياة ليست من الأقوال المشهورة في بلادكم ، فإنه لم يقل بذلك إلا الحنابلة ، فمثل هذه المسائل لا يعرفها إلا من درس الفقه ، فلا تحمل عليها تصرفات عامة الناس .

ينظر : الإنصاف (7/16، 18) ، الموسوعة الفقهية (44/143) .

 

وعلى هذا ؛ فلم يبق إلا أن والدك أراد الوصية بوقف هذا المال بعد وفاته ، وتصرف أرباحه في أوجه الخير .

 

وهي وصية جائزة ، ويجب على الورثة تنفيذها إذا كان هذا المبلغ لا يزيد عن ثلث التركة .

وما زاد عن الثلث فإن الوصية فيه لا تنفذ إلا برضى الورثة .

قال ابن قدامة رحمه الله في “المغني” (8/216) :

“فَأَمَّا إذَا قَالَ : هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .

ويدل عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ ، مَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ وَصَّى ، فَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ : هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ :  أَنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ [أرض بالمدينة] صدقة … رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَوَقْفُهُ هَذَا كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ اشْتَهَرَ فِي الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا” انتهى .

وقال المرداوي في “الإنصاف” (16/398) :

“إذا قال : هو وَقْفٌ مِن بعدِ مَوْتِي، فيَصِحَّ في قَوْلِ الخِرَقيِّ. وهو المذهبُ…

فعلى المذهبِ، يُعْتَبَرُ مِنَ الثلُثِ” انتهى .

وينظر السؤال رقم (111918) .

ثانيا :

ما دام الوالد قد أوصاك بذلك : فالواجب عليك أن تنفذ تلك الوصية – في حدود ثلث التركة كما سبق – ولا يجوز أن يرد المال إلى التركة ، لأن الوصية مقدمة على حق الورثة ، قال الله تعالى في تقسيم الميراث : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/11 .

قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

“يجب على القائم على تنفيذ الوصية أن يتقي الله سبحانه وتعالى في هذه الوصية، وذلك بتنفيذها كما حدده الموصي، فإنه مؤتمن فيما وكل إليه.

الشيخ بكر أبو زيد … الشيخ صالح الفوزان … الشيخ عبد الله بن غديان … الشيخ عبد العزيز آل الشيخ … الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز” انتهى من “فتاوى اللجنة الدائمة” (16/350) .

وقالوا أيضا (16/369) :

“يجب على الولي في الوصية الشرعية أن ينفذها، فإن لم ينفذ الوصي الوصية ، أو أساء تنفيذها فإن الوزر على الولي، قال تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

الشيخ عبد الله بن غديان … الشيخ عبد الرزاق عفيفي … الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز” انتهى .

ثالثا :

إذا كان المال مودعا في بنك ربوي ، فإن هذا محرم ومن كبائر الذنوب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم : (لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم سواء) رواه مسلم (1598) .

والواجب سحب هذا المبلغ من البنك الربوي ، وإيداعه في بنك إسلامي ، أو في استثمار شرعي آمن ، يغلب فيه السلامة .

رابعا :

الوصية بصرف أرباح المال لأعمال الخير ، تشمل جميع أعمال الخير ، كالصدقة على الفقراء والمساكين والمساهمة في بناء المساجد .. ونحو ذلك .

وأقارب الوالد الفقراء والمحتاجون : هم أولى بهذه الأموال .

لأن “القرابة أحق في الحياة بالصدقة والصلة، وبعد الموت بالوصية” الشرح الكبير (18/163) .

فتعطي أقاربك من جهة الوالد من هذا الوقف .

 

والله أعلم .

 

Category: Uncategorized