إذا كانت الأرض كروية فلماذا ليس ثمة إلا اتجاه واحد للقبلة ؟

الجواب :
الحمد لله
المطلوب في التوجه للكعبة المشرفة هو التوجه لجهتها، كما قال تعالى : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) البقرة/144.
وشطر المسجد الحرام كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : نحوه . وقال البراء : قبله ، وقال ابن زيد : ناحيته وجانبه ، وقال أبو العالية : تلقاءه . ينظر ” جامع البيان ” للطبري (3/176-177) .
فالمقصود هو الجهة والناحية ، ومعلوم عند أهل الأرض كلهم ، وفي علوم الناس والحضارات والشعوب قديمها وحديثها ، وفي قسمة العقل السليم ، أن الأرض وجميع الأفلاك لها جهات أربعة لا تنفك عنها ، هي الشمال والجنوب والشرق والغرب ، وذلك بالنسبة لمحور الأرض الذي تدور حوله من اليمين إلى الشمال ، وبالنسبة للقطبية الذاتية التي أودعها الله عز وجل هذه الأرض بحيث تتجه جميع البوصلات إلى الشمال والجنوب من أي مكان في الأرض . فهي جهات ذاتية ، لا تتفاوت بالنسبة للأرض نفسها ، مهما تفاوتت بحسب اختلاف الإضافة .
ولهذا فكروية الأرض لا تلغي هذه الجهات الأربعة ، بدعوى أن الغرب يؤدي إلى الشرق بالاستدارة ، وأن الشمال يؤدي إلى الجنوب كذلك .
ومن هنا تعلم أن من كان في شمال الأرض الذاتي ، فإن اتجاه القبلة له هو الجنوب ، ومن كان في الجنوب الذاتي للأرض فإن اتجاه القبلة له هو الشمال ، ومن كان في مشرق الأرض الذاتي اتجه للقبلة غربا ، ومن كان في مغرب الأرض الذاتي اتجه للقبلة شرقا ، هذا هو الاتجاه القبلي المأمور به شرعا .
والقضية لا تتعلق بالقبلة فحسب ، بل بجميع مدن الأرض والنسب بين الاتجاهات ؛ لذلك لا تسمع من يقول إن القارة الأوروبية تقع في جنوب القارة الإفريقية ، لأن من اتجه من إفريقيا إلى الجنوب ، استدار مع كروية الأرض حتى يصل أوروبا !
ولا تسمع عالما أيضا من أهل بلاد الهند مثلا ، إذا سئل عن جهة القارة الأمريكية ، أشار إلى جهة المشرق ، بل يشير إلى جهة المغرب ، وإن كان يمكنه الوصول إليها عبر التوجه إلى أقصى الشرق مع كروية الأرض ، ولكن سؤال الجهة شيء ، وطريق البلوغ والوصول شيء آخر.
فالجهة المقصودة في عرف عامة الناس ، وفي عرف الشريعة أيضا : هي الجهة الثابتة للكرة الأرضية ككل ، الشمال والجنوب والشرق والغرب ، وهي الجهة التي تشير إليها البوصلة المغناطيسية الثابتة في كل مكان ، جهة ذاتية ثابتة للأرض لا تتغير .
والمطلوب في شريعتنا هو جهة القبلة ، من هذا العرف الثابت ، وليس الوصول إليها بأي طريق كانت . فالفرق ظاهر بين الأمرين .
ولهذا لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن استقبال القبلة بالبول أو الغائط ، نهاهم أيضا عن ” استدبارها “، أي تولية القبلة الدبر ، فسماه استدبارا ، رغم أن الاستدبار – بحسب السائل – مع كروية الأرض ، يؤول إلى استقبال القبلة أيضا ، ولكن لما كان المعتبر في القبلة هو الجهات الذاتية للأرض كما سبق بيانه ، سماه النبي صلى الله عليه وسلم استدبارا ، ونهى عنه .
يقول عليه الصلاة والسلام : ( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ ، فَلاَ يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلاَ يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ) رواه البخاري (144) ، ومسلم (264) .
ولهذا أيضا لما نزل الأمر بالتوجه للكعبة المشرفة ، وكان المسلمون يتوجهون إلى بيت المقدس ، انحرفوا عن توجههم إلى الشام ، رغم كونه وجهة صحيحة على مبدأ السائل ، لأن أهل المدينة إذا توجهوا شمالا إلى الشام وما بعدها ، وساروا مع كروية الأرض بلغوا مكة والقبلة ، ولكن هذا التوجه لم تعتبره الشريعة ؛ لأنه لا يستند إلى جهات الأرض الذاتية التي سبق وصفها وتقريرها .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : ” بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا ، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ ” رواه مسلم (526) .

ولو وقف أحد المسلمين عند الكعبة المشرفة فولى أحد أركانها ظهره ، وصلى ، فإن صلاته باطلة باتفاق علماء الإسلام ، لأنه استدبر القبلة قطعا ، ولم يستقبلها ، لأن الاستقبال والاستدبار بني على أساس جهات الأرض الذاتية .
ولو قيل بتعريف الاستقبال والاستدبار الوارد في السؤال، وأنه بحسب طريق الوصول إلى الكعبة ، بغض النظر عن اتجاهات الأرض ، لصحت صلاة هذا المصلي مستدبرا الكعبة ، وهذا ما لم يقل به أحد من علماء الإسلام ، رغم اتفاقهم قديما وحديثا على كروية الأرض ، ورغم دلالة الأدلة الشرعية الصريحة أيضا على كروية الأرض .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة أن الأفلاك مستديرة ، قال الله تعالى : ( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون )، وقال تعالى : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ). قال ابن عباس : في فلكة مثل فلكة المغزل .
وهكذا هو في لسان العرب الفلك : الشيء المستدير . قال تعالى : ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) والتكوير هو التدوير .
وأما إجماع العلماء : فقال إياس بن معاوية – الإمام المشهور قاضي البصرة من التابعين -: السماء على الأرض مثل القبة .
وقال الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي – من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد -: لا خلاف بين العلماء أن السماء على مثال الكرة ، وأنها تدور بجميع ما فيها من الكواكب ، كدورة الكرة ، على قطبين ثابتين غير متحركين : أحدهما في ناحية الشمال والآخر في ناحية الجنوب.
قال : وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة .
قال : ويدل عليه : أن الشمس والقمر والكواكب لا يوجد طلوعها وغروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد ، بل على المشرق قبل المغرب .
قال : فكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء ، كالنقطة في الدائرة .
وقد يظن بعض الناس أن ما جاءت به الآثار النبوية من أن العرش سقف الجنة ، وأن الله على عرشه ، مع ما دلت عليه من أن الأفلاك مستديرة ، متناقض ، أو مقتض أن يكون الله تحت بعض خلقه ، كما احتج بعض الجهمية على إنكار أن يكون الله فوق العرش باستدارة الأفلاك ، وأن ذلك مستلزم كون الرب أسفل .
وهذا من غلطهم في تصور الأمر .
ومن علم أن الأفلاك مستديرة ، وأن المحيط الذي هو السقف هو أعلى عليين ، وأن المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه وهو قعر الأرض هو ” سجين ” ” وأسفل سافلين “، علم من مقابلة الله بين أعلى عليين ، وبين سجين … أن السماء فوق الأرض مطلقا ، لا يتصور أن تكون تحتها قط ، وإن كانت مستديرة محيطة.
وعلم أن الجهة قسمان : قسم ذاتي . وهو العلو والسفول فقط .
وقسم إضافي : وهو ما ينسب إلى الحيوان بحسب حركته ، فما أمامه يقال له : أمام ، وما خلفه يقال له خلف ، وما عن يمينه يقال له اليمين ، وما عن يسرته يقال له اليسار ، وما فوق رأسه يقال له فوق ، وما تحت قدميه يقال له تحت ، وذلك أمر إضافي .
أرأيت لو أن رجلا علق رجليه إلى السماء ورأسه إلى الأرض أليست السماء فوقه ، وإن قابلها برجليه ، وكذلك النملة أو غيرها لو مشى تحت السقف مقابلا له برجليه وظهره إلى الأرض لكان العلو محاذيا لرجليه وإن كان فوقه ، وأسفل سافلين ينتهي إلى جوف الأرض . والكواكب التي في السماء وإن كان بعضها محاذيا لرؤوسنا ، وبعضها في النصف الآخر من الفلك ، فليس شيء منها تحت شيء ، بل كلها فوقنا في السماء ، ولما كان الإنسان إذا تصور هذا يسبق إلى وهمه السفل الإضافي كما احتج به الجهمي الذي أنكر علو الله على عرشه ، وخيل على من لا يدري أن من قال : إن الله فوق العرش فقد جعله تحت نصف المخلوقات ، أو جعله فلكا آخر ، تعالى الله عما يقول الجاهل” انتهى باختصار من ” مجموع الفتاوى ” (25/193-197) .
والشاهد هنا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية تقريره أمرين مهمين :
الأول : استدارة الأفلاك ، واتفاق العلماء على ذلك من قديم الزمان .
الثاني : إثبات أن الجهة الذاتية للأرض هي الجهة التي يرد عليها الخطاب الشرعي في تقرير صفة العلو لله سبحانه وتعالى ، وليست الجهة الإضافية لكل مخلوق على حدة . وهذا هو المبدأ ذاته الذي ينبغي أن يعتمد في اتجاه القبلة ، فالواقع في شمال الكرة الأرضية لا بد أن يتجه جنوبا ؛ لأن القبلة ( الذاتية ) للأرض هي الجنوب لمن هو في الشمال الأرضي .
وبهذا يتبين أن جهة القبلة هي جهة واحدة وهي الجهة الذاتية للأرض .
والله أعلم .

Category: Uncategorized