استفسار عن دعاء: اللهم إن في تدبيرك ما يغني عن الحيل …

السؤال : (اللهم إن في تدبيرك ما يغني عن الحيل ، وفي كرمك ما هو فوق الأمل ، اللهم يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي اجعل ما أخافه وأحذره بردا وسلاما علي كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم ) هذا الدعاء نصح بقوله أحد الدعاة عندما نواجه قلقا، وعلمته زميلة لي شكت لي توترها عندما كان لديها شرح لدرس ما ، بعد ذلك خشيت أن يكون بدعة ، فماذا علي أن أفعل؟ هل أنصحها بعدم قوله ؟

الجواب :

الحمد لله

هذا الدعاء ليس مما ثبت بالوحي، لكن معناه حسن؛ لأن فيه ثناء على الله تعالى بما يليق به سبحانه، وفيه طلب منه ما هو مشروع من دفع ما يحذره الداعي ويخافه، والشطر الثاني ينسب نحوه إلى الحسن البصري ، ولم نقف على ما يثبت ذلك.

فالدعاء به مشروع .

لكن يجب التنبه إلى أنه لا يعامل معاملة الأدعية الثابتة بالوحي، بل يذكره الإنسان أحيانا ولا يتخذه سنة ثابته، ولا يجعل وردا راتبا يعلم للناس ، ويدعون إليه . ولا يعتقد فيه أنه أفضل من غيره؛ لأن اعتقاد أن هذا الدعاء أفضل من غيره عند الله تعالى ، يحتاج إلى دليل من الشرع ولا تكفي التجربة وحدها، فاستجابة دعاء من دعا به لا تدل على أفضيلة هذه الصيغة، لأن الاستجابة ربما حصلت لشدة حاجة الداعي وشدة إخلاصه وعدم تعمده ترك الأدعية النبوية .

فأمّا من فرط في تعلم الأدعية النبوية وأشغل نفسه بحفظ أدعية غيره واستحسانها ، فقد فاته خير كثير .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

” لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف، والاتباع، لا على الهوى والابتداع .

فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان .

وما سواها من الأذكار قد يكون محرما، وقد يكون مكروها، وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها.

وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به .
بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا ، من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يُعلم أنه يتضمن معنى محرما : لم يجز الجزم بتحريمه … ” انتهى. “مجموع الفتاوى” (22 / 510 – 511).

وقال القرطبي رحمه الله تعالى:

” والاعتداء في الدعاء على وجوه: …

ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظا مفقرة، وكلمات مسجعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ، ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام، وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء، كما تقدم في البقرة بيانه ” انتهى، من “تفسير القرطبي” (9 / 248).

بل الأفضل للمسلم – مطلقا – أن يتحرى الأدعية النبوية ، ففيها الغنية، والمسلم يؤجر فيها على دعائه وعلى اتباعه للسنة، ومن مقتضى الإيمان أن يتخذ المؤمنُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أسوة له في الدعاء وفي غيره.

قال الله تعالى:

( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) الأحزاب /21.

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء عند الكرب والشدة؛ ما ورد:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ يَقُولُ:  ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) رواه البخاري (6346) ومسلم (2730).

وعن أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ) رواه أبو داود (5090)، وحسّنه الألباني في “صحيح سنن أبي داود”.

وعَنْ سَعْدٍ بن أبي وقاص، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ! إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ) رواه الترمذي (3505) وصححه الألباني في “صحيح سنن الترمذي”.

والأذكار والأدعية النبوية فيها الكفاية والغنية لمن حفظها وتفهَّم معانيها، ومن أسهل الكتب الجامعة لها، كتاب “حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة” للشيخ سعيد بن على بن وهف القحطاني ، وله أيضا : “الدعاء من الكتاب والسنة” . والكتب المصنفة في ذلك كثيرة .

فالحاصل؛ أنّ من الأعمال الفاضلة أن تتعلمي الأدعية النبوية وترشدين إليها زميلاتك، وما حصل من ارشادك لزميلتك إلى الدعاء المذكور في السؤال : لا حرج فيه ، لكن مع بيان أن هذا ليس من من الأدعية النبوية ، ولو علمتيها شيئا من الأدعية النبوية المناسبة للحال : لكان أكمل وأفضل .

والله أعلم.

Category: Uncategorized