اقتران السماوات والأرض في القرآن رغم التفاوت بينهما في الاتساع

السؤال : كيف نجيب على ما يلي : ذكر ربّنا في القرآن السّماوات والأرض مقترنين كثيرا وذكر أنّ الجنة عرضها كعرض السموات والأرض ويشعر المؤمن من هذه الآيات و كأنّ الأرض بالنسبة للسماء كالليل بالنسبة للنهار يعني نشعر بوجود تقابل ، فالسماء يمسكها الله أن تقع على الأرض والجنة عرضها كعرض السموات والأرض و نحن نعلم يقينا أن الأرض بالنّسبة للسماء لاشيء من حيث الحجم والسعة فإضافتها للسماء عند ذكر عرض الجنة كإضافة المعدوم فكيف نجيب على هذا الإشكال؟

الجواب :

الحمد لله

من المسالك الواضحة في أسلوب القرآن الكريم الحجاجي، التوجه إلى المخاطبين بما يشاهدون ويبصرون من آيات الخلق والكون، كي تقوم الحجة بوضوح وظهور، بعيدا عن أي تعمية سببها خروج الكلام عن الطاقة البشرية القاصرة، وخوضه في عوالم لا قدرة للعقل البشري – مرحليا ، أو مطلقا – أن يطلع عليها، فضلا عن أن يأخذ العظة والعبرة منها.

ولهذا تجد في القرآن الكريم التعرض لآيات الجبال، والسحاب، والنبات، والإبل، والطير، والماء، والدواب، ونحوها من المحيط الخارجي الذي يعيش فيه كل أحد؛ لأن المقصود هو هداية البشر جميعا، فلا بد أن يناسب الخطاب هؤلاء البشر، ويناسب ، أول ما يناسب : أولئك الأقوام الذين تنزّل عليهم القرآن الكريم أول ما تنزّل.

ومن هنا ندرك السبب الذي من أجله حضرت (الأرض) في الآيات القرآنية العديدة، فهي تمثل المكان الذي يعيش فيه هذا الإنسان الضعيف، يولد فيه، ويدفن في باطنه، ويقتات على خيراته، ويضرب في سبله وفجاجه، وهي بالنسبة إليه من السعة والإحاطة ما لا يقدر عليه إلى يومنا هذا. فهي – ولا شك – أول ما سيدعو القرآن الكريم إلى التأمل فيها وفي علاقتها بالبشر، لتلمس ما تشتمل عليه من آيات وعِظات باهرات.

ولكنها – في الوقت نفسه – ليست المكان الوحيد لهذا الإنسان، فالسماء أيضا جزء من هذا المكان، تحيط بالإنسان من أعلى، والأرض من أسفل، مما يعني أن السماء والأرض “ثنائية” بالتأكيد، يمثلان – معا – المحيط الخارجي المكاني الذي قدر للإنسان العيش فيه، والتأثر بأطيافه، بل وقدر له أن يؤثر في مصيره ومآله، لما يشتمل عليه من حراك صاعد وهابط يجمع بين العالم العلوي والعالم السفلي، في منظومة خلق الله وأمره،  ومنظومة أفعال العباد.

والمقصود هو بيان أن “ثنائية” (السماوات والأرض) ثنائية قطعية منطقية؛ لا يمكن الفصل بينهما بدعوى فارق الاتساع والإحاطة، فالثنائيات المتقابلة لا تنطوي بالضرورة على شروط التساوي أو التماثل أو التعادل، وإنما تنطوي بالتأكيد على كليات مترابطة أو متقابلة، ومقاصد ذات علاقات واضحة، يضرب الإنسان في التأمل فيها، والانتفاع بها كل سبيل.

يدلك على ذلك قول الله عز وجل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) [الأنعام: 1] فقد قرن كلا من (السماوات والأرض)، وأيضا (الظلمات والنور) اقتران تقابل وتثنية، بعيدا عن المقارنة بينهما من حيث الكبر والصغر، أو الكثرة والقلة، وإنما مقابلة بينهما في التأثير على هذا الإنسان الضعيف، وارتباطهما بأسباب عيشه وهدايته، فالسماوات والأرض تمثل المكان الذي يعيش فيه الإنسان، كل منهما يقدم له ظرفا أساسيا لصلاحية العيش في هذا الكوكب، وهو في المقابل يرتبط بهما ارتباطا وثيقا لما تمثله هاتان الجهتان المتقابلتان من أساسه ومصيره ومقادير رزقه، فالأرض فيها عيشه وسكنه، وطعامه، وشرابه، بل وأصل خلقته، ومآله تحتها، والسماء فيها هواؤه، وتقدير رزقه، وصحائف عمله، ومنتهى أمله، وفوق ذلك كله دينه وشريعته وكتابه المنزل من عند الله من فوق سبع سماوات.

وثمة ملحظ مهم أيضا في هذا السياق، وهو أن سعة السماء الفلكية أبعد عن الإنسان من الأرض ولا شك، وحينئذ فهو – في مشاهداته الظاهرية – لا يلمس الفرق بين الاتساعين، بل كأن اتساع السماء بالأرقام الفلكية المهولة ، لا يعني له شيئا ، كما تعني له الأرض التي يعيش عليها ، وينتمي إليها، وهو إليها أقرب وأحوج من اتساع السماوات، والقرآن – كما سبق بيانه – يخاطب الإنسان بما يشاهده ويلمسه ويقدر عليه أكثر من خطابه له عن العالم كما هو في ذاته، فناسب أن تكون “السماء والأرض” ثنائية – بهذا الاعتبار -.

ولو تأملنا في العديد من السياقات التي ورد فيها اقتران (السماوات والأرض) لوجدناها سياقات تدعو إلى التدبر والتأمل فيهما؛ ولا شك أن الإنسان في تأمله ما في الأرض : أقدر وأقرب منه على تأمل ما في السماء، حتى في هذا الزمان الذي هو زمان تفجر العلم والتجربة، فإن التصاق البشرية بأرضها فجر فيها طاقاتها الكامنة أكثر مما تم في السماء .

ولهذا كان المتجه دائما إيراد (الأرض) في آيات التدبر والتأمل. وإيراد (السماء) أيضا لما فيها من آيات عظيمات، فناسب اقترانهما لأجل هذا السياق التدبري التأملي، الذي لا يعني بحال دعوى التساوي بين خلق السماء والأرض من حيث الحجم والسعة.

يقول تعالى:

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) [آل عمران/ 191-192]

( إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) [يونس/ 6]

( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) [يونس/ 101]

( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) [يوسف/ 105]

( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ) [الشورى/ 29]

( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) الجاثية/ 3، 4]

( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [الأحقاف/ 33]

( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ) [الطور/ 35، 36]

( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ) [الرحمن/ 33]

( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) [الأنبياء: 30]

( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) [فاطر/ 41]

( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) [غافر/ 57]

ومن السياقات المهمة التي اقتضت أيضا مقابلة السماوات والأرض ، واقترانهما : هو الإخبار عن ساكنيهما وعامرهما من الجن والإنس والملائكة وما لا يعلمه إلا الله، وهم كلهم يعبدون الله سبحانه وتعالى، وبينهما من القواسم المشتركة القدر الكبير، والجن والإنس هم المعنيون بآيات القرآن الكريم والمخاطبون بها، فكان وجيها أن يجتمعا في سياق واحد، كما اجتمعا في الآيات الكريمات:

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) [الرعد/ 15]

(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم/93]

ومن هنا ندرك جميعا أن تقابل (السماوات والأرض) تقابُلٌ مفسر له وجوه عديدة، يؤكد صحته أنه لم يرد في أي موضع من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة الحديث عن تساويهما في الحجم والاتساع، الأمر الذي ينفي أي احتمال لما أورده السائل في سؤاله، ويبين المقصود الصحيح من هذا التقابل بين المفردتين.

 

وينظر للفائدة :

http://bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=04-01-0005

وأيضا :

https://goo.gl/0zcKcM

 

والله أعلم.

Category: Uncategorized