الأسباب الكونية والأسباب الشرعية وعلاقتهما بالنجاح والفشل والرزق

الجواب :
الحمد لله
أولاً:
فإن المؤمن في هذه الحياة يبتلى ويختبر حتى يُعلَم صدقه في إيمانه فيثاب عليه الثواب اللائق به ، وتصيبه المصائب والمحن لترتفع درجتُه عند ربه إذا هو صبر واحتسب عندها .
قال تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة/ 155 – 157 .
وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) .
رواه الترمذي ( 2398 ) وقال : حديث حسن صحيح ، وحسنه الألباني في ” مشكاة المصابيح ” (1562) .
فاصبر – أخي – على ما أصابك ، وارجع إلى ربك ليكشف عنك البلاء والمحنة ، فليست الدينا طريقا مظلما ، ولا دربا مسدودا ، كما يظنه كثير ممن ابتلي بضيق في الرزق ، أو بلاء في النفس أو الأهل ؛ بل في الدنيا كثير من الأبواب المفتحة ، ولا ينقصها سوى العزم منا على العمل ، فجِد واجتهد ولا تُسلم نفسك لهذه الذكريات ، وأبدلها بأمل يتبعه العمل فإن لك بالأنبياء والصالحين أسوة وقدوة في العمل والبناء .

ثانياً:
لا بدَّ من توضيح مسألة الأسباب الكونية والأسباب الشرعية – فيما يتعلق بموضوعك – حتى تتضح لك الأمور .
فنقول : إن الله تعالى جعل أسباباً لمسبّبات في أصل الخلقة والنشأة والتكوين ، وتسمى هذه ” الأسباب الكونية ” ، ولهذه الأسباب صفات وعلامات :
1. منها أن منها ما هو حلال ومنها ما هو حرام في الشرع .
2. أنها لا تختص بالمسلمين بل بعموم الخلق .
3. أنها وإن كانت أسبابا لما جعله الله أسبابا له ؛ فإنما كانت كذلك بخلق الله تعالى وتدبيره وتصريفه ؛ فإن شاء سبحانه أمضاها على ما خلقها له ، ووضع فيها آثارها ، وإن شاء عطلها عن ذلك ، وإن شاء جعلها في ضد ما خلقت له ، لا معقب لحكمه سبحانه ، ولا راد لقضائه .
قال ابن القيم – رحمه الله – عن الأسباب – : ” ومنهم مَن أثبتها خلقاً وأمراً قدراً وشرعاً ، وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به من كونها تحت تدبيره ومشيئته ، وهي طوع المشيئة والإرادة ومحل جريان حكمه عليها ، فيقوي سبحانه بعضها ببعض ، ويبطل إن شاء بعضها ببعض ، ويسلب بعضها قوته وسببيته ، ويعريها منها ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه ؛ ليعلم خلقُه أنه الفعَّال لما يريد ، وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته ، وأن التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت ، مع كونه سبباً ” انتهى من ” مدارج السالكين ” ( 1 / 244 ) .

ولنضرب على ذلك مثلاً تتضح به الصورة لك وليكن المثال فيما يتعلق بسؤالك الأول :
جعل الله تعالى الدراسة وقوة التحصيل والحفظ والفهم سبباً للنجاح في الدراسة ، ويشترك في هذا المسلم والكافر كما هو مشاهد ومعلوم ، ولكن من الطلاب من يستعمل ” الغش ” في الامتحانات ليحصل النجاح ، فيكون قد سلك سبباً كونيّاً محرَّماً ، ومنهم من يستعمل ” الواسطة ” لأجل ذلك ، وهو محرم أيضاً ، ومع ذلك نقول : هل كل من جاء بالدراسة والتحصيل والحفظ والفهم يعني ذلك أنه ناجح لا محالة ؟! والجواب : بالطبع لا ؛ لأن الله تعالى هو مالك الأسباب ومسبباتها وقد يُضعف الله تعالى لحكمة بالغة ذلك الحفظ والفهم عند الامتحان ، فلا ينجح ذلك الدراس والحافظ والفاهم لمواده الدراسية نجاحاً مبهراً ، وقد يعطل الله تعالى ذلك كله حتى لا ينجح مطلقاً ، وقد يكون من أسباب إضعاف الله تعالى لتلك الأسباب أو تعطيلها معصية عظيمة فعلها ذلك الطالب ، كسب الله تعالى أو ضرب أمه أو إهانة والده ، وقد تكون الحكمة من ذلك حفظ دينه من الفتنة لو أنه نجاح نجاحاً مبهراً ، والحكم في ذلك كثيرة وجليلة .
وأما الأسباب الشرعية فهي كل ما جعلها الله تعالى أسباباً على وقوع مسبَّبات بنصوص الشرع ، كما جعل الرقية والعسل والحبة السوداء علاجاً للأمراض ، وكما جعل التقوى وصلة الرحم مصادر للرزق ، وهذه الأسباب خاصة بالمسلمين ، وهي ممكنة الإضعاف والتعطيل لحكَم جليلة كذلك .
وننبِّه ها هنا إلى أنه ليس ثمة أسباب شرعية للنجاح والتحصيل ، نعني : أن تكون أسبابا من العبادات والطاعات ، خاصة بذلك المطلوب ، متفردة بالتأثير فيه من غير الإتيان بشيء من الأسباب الكونية ؛ فلو قضى المسلم ليله بالقيام ونهاره بالصيام ، وكان يدعو في ذلك بالتوفيق والنجاح فإنه لم يسلك الأسباب التي يمكنه تحصيل النجاح والفلاح في دراسته ، ولا كذلك بر الوالدين سبب للنجاح ، بل لا يجوز لمسلم أن يفعل هذا كله معتقداً أنها أسبابٌ لنجاحه في دراسته ويكتفي بها ؛ لأن الله تعالى لم يجعلها أسباباً خاصة بذلك ، نعم يمكن أن يفيده قيامه بالطاعات ليثبت الله قلبه ويوفقه في الامتحان ، لكن لا بدَّ من الإتيان بالسبب الكوني وهو الدراسة ، وحتى في العلم الشرعي فإن القيام بتلك الطاعات لا يُكسب المرء علوماً والنبي صلى الله عليه وسلم قطع ذلك الأمر بقوله : ( إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّم ) – رواه الطبراني وحسَّنه ابن حجر والألباني – ولكن من سلك سبيل العلم فهو يحتاج للتأييد والتثبيت والفتح له بالحفظ والفهم وهذا ما تأتي به التقوى والدعاء والطاعات ، ومن ذلك : حصول الذرية فإن الله تعالى جعل لها أسبابه الكونية المعروفة ؛ فلا يحل لمسلم أن يواظب على أعظم العبادات من أجل أن يرزقه الله تعالى الذرية إذا لم يتزوج ، بل يكون قد سلك الطريق الخطأ وبذل الأسباب الخطأ ، ولكنه إذا تزوج وجامع زوجته ، كان بإمكانه أن يستعين بالدعاء ، كسبب شرعي لذلك ، مع ما أتى به من السبب الكوني .
وعليه :
فالجواب عن عين سؤالك الأول : أنك لم تنجح بدراستك بسبب تخلف السبب الكوني وهو الدراسة ، وأنك لو جئت به فإن الله تعالى قد يعطله عليك بسبب وقوعك في ذنب من الذنوب ، وقد يعطله ابتلاء لك ، واختبارا لإيمانك وصدقك ، وقد يعطله صرفا لشر آخر كان يجره عليك نجاحك فيه ، أو ادخارا لخير آخر أعظم منه ، أو لغير ذلك من الحكم التي قد نعلمها ، وقد لا نعلمها ، فهو سبحانه الحكيم الخبير ، يصرف الأمور بحكمته ، ويدبر أمر خلقه بقدرته ، وخبرته ، وعلمه ، ولطفه ، سبحانه ، لا معقب لحكمه ، ولا مبدل لكلماته .

فليست المسألة ـ إذاً ـ مسارعة في تحقيق رغبات العباد ، فالعباد أضعف من أن يصرفوا أمر أنفسهم ، فضلا عن أن يدبروا أمر الكون ، ولو بالاقتراح ، أو الاختيار ، بل الخيرة في ذلك كله إلى أمر الرب الجليل ، الحكيم الخبير ؛ قال تعالى : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) القصص/68-70 ، وقال تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) الإسراء/ 30 ، فهو المقسِّم سبحانه والمعطي لرزقه بحكمته .
وحال المؤمن الرضى بقضاء الله وقدره ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) رواه مسلم ( 2999 ) .

ويضاف إلى الرضى بقضاء الله تعالى : علم العبد بأن الله لم يكتب عليه إلا خيراً ، فليس غنى العبد وثراؤه دليلاً على فضله عند الله ، وانظر لقارون الذي لا يستطيع أن يحمل مفاتيح كنزه عصبة من الرجال ، ماذا حلَّ به من سخط الله عليه من خسف الأرض به ، وانظر لفرعون وتمكينه في أرض مصر ماذا حلَّ به من سخط الله من إغراقه في البحر ، فهل نفعتهم أموالهم وجاههم ؟! وهل ما كانوا عليه من حال يدل على أن الله تعالى راضٍ عنهم ؟! فلا تغتر – أخي – بما تراه على غيرك من مال وجاه فالدنيا يعطيها الله تعالى لمن يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب ، قال تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم – ونحن داخلون في الخطاب من باب أولى – : ( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) طه/ 131 .

ثالثا :
أما سؤالك الأخير فقد قدمنا الجواب عنه فيما سبق ذِكره ، ونحيلك على جواب السؤال رقم ( 114019 ) والأجوبة المحالة عليه فيه تجد ما ينفعك إن شاء الله .
وخلاصة ما تقدم :
أنه ينبغي عليك عدم التفريط في مباشرة الأسباب الكونية ، وأن عليك أن تصلح نفسك فيما بينك وبين ربك تعالى وفيما بينك وبين الناس ونخص بالذكر أهلك المقربين ، وأن تفريطك في مباشرة الأسباب الكونية سيصعِّب عليك حياتك ويجلب لك الشقاء ، ولا يعني قيامك بها على وجهها الأكمل أنك لن تتعرض للمصائب والشقاء ؛ بل قد يحصل لك ذلك بسبب معاصيك وذنوبك ، قال تعالى : ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) آل عمران/ 165 ، وقال تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) الشورى/ 30 ، أو لغير ذلك من الحكم ، على ما سبق بيانه .

واعلم – أخيراً – أن الشقاء الحقيقي هو شقاء القلب بسبب الذنوب والمعاصي ، وهذا الشقاء لو كان معه مال الدنيا فلن يشعر صاحبه بسعادة في قلبه ، ولن يقف الأمر عند دنياه بل سيتعدى الأمر معه في الشقاء والعقوبة إلى الآخرة ، قال تعالى : ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) طه/ 123 ، 124 .
واعلم أن السعادة الحقيقية هي سعادة القلب بالإيمان والثقة بالله ، ولا يرزق ذلك إلا من عرف ربَّه حق المعرفة فأدَّى أوامره وابتعد عن نواهيه ، وهذه السعادة سيشعر بها المسلم حتى لو كان ثمة ضيق في معيشته الدنيوية من فقر أو شظف عيش ، وهذه السعادة ستستمر معه إلى داره الأخروية ، قال تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97 .

وانظر – للأهمية – جواب السؤال رقم ( 85362 ) .

والله أعلم

Category: Uncategorized