الإيمان بالرسل (أركان الإيمان الستة)

حاجة الناس إلى الرسالة:

لا بد للناس من رسالة ربانية تبين لهم الشرائع وتهديهم إلى الصواب, والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأيّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟

ولهذا سمى الله رسالته روحاً، والروح إذا عدمت فقدت الحياة، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} (الشورى: 52).

وذلك أن العقل وإن كان يعرف الخير من الشر على وجه العموم إلا أنه لا يمكنه معرفة تفصيل ذلك وجزئياته، وأداء العبادات وكيفياتها إلا عن طريق الوحي والرسالة.

فلا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيِّب والخبيث على وجه الدقة إلا من طريقهم, ومن أعرض عن الرسالة ناله من الاضطراب والهم والشقاء بقدر مخالفته لها وإعراضه عنها.

أحد أركان الإيمان:

الإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان الستة, قال سبحانه: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه} (البقرة: 285).

فدلّت الآية على وجوب الإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام دون تفريق، فلا نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض كحال اليهود والنصارى.

وقال صلى الله عليه وسلم عن الإيمان: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره” (مسلم 8).

معنى الإيمان بالرسل:

هو التصديق الجازم بأن الله بعث في كل أمة رسولا منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن الرسل كلهم صادقون مصدّقون، أتقياء أمناء، هداة مهتدون، وأنهم بلّغوا جميع ما أرسلهم الله به، فلم يكتموا ولم يغيّروا، ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفا ولم ينقصوه، كما قال سبحانه: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِين } (النحل: 35).

ماذا يتضمن الإيمان بالرسل؟

  1. الإيمان بأن رسالتهم حقّ من الله تعالى، وأن الرسالات اتفقت دعوتها إلى عبادة الله وحده لا شريك له, كما قال سبحانه {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} (النحل: 36).

وقد تختلف شرائع الأنبياء في الفروع من الحلال والحرام بما يتناسب مع تلك الأمم, كما قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48).

  1. الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين, فنؤمن بمن سمى الله من الأنبياء، مثل: محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالا، ومن كفر برسالةِ واحد منهم فقد كفر بالجميع.
  1. تصديق ما صح من أخبار الرسل ومعجزاتهم في القرآن والسنة, كقصة فلق البحر لموسى عليه السلام.
  1. العمل بشريعة الرسول الذي أرسل إلينا, وهو أفضلهم وخاتمهم: محمد صلى الله عليه وسلم.

من صفات الرسل:

  1. أنهم بشر, والفرق بينهم وبين غيرهم أن الله اختصهم بالوحي والرسالة, قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} (الأنبياء: 7).

فليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، ولكنهم بشر بلغوا الكمال في الخِلقة الظاهرة، كما بلغوا الذروة في كمال الأخلاق، كما أنهم خير الناس نسبا, ولهم من العقول الراجحة واللسان المبين ما يجعلهم أهلًا لتحمل تبعات الرسالة والقيام بأعباء النُبوَّة.

وإنما جعل الله الرسل من البشر ليكون قدوتهم من جنسهم، وحينئذ فإن اتباع الرسول والاقتداء به هو في مقدورهم وفي حدود طاقتهم.

  1. اختصهم الله بالرسالة, فالله عز وجل قد خصهم بالوحي دون بقية الناس، كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد} (الكهف: 110).

فليست النبوة والرسالة مكتسبة بالصفاء الروحي ولا الذكاء والمنطق العقلي, وإنما اختيار واصطفاء رباني, فقد اختار الله الرسل واصطفاهم من بين سائر الناس، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} (الأنعام: 124).

  1. أنهم معصومون فيما يبلِّغونه عن الله, فهم لا يخطئون في التبليغ عن الله، ولا يخطئون في تنفيذ ما أوحى الله به إليهم.
  2. الصدق, فالرسل عليهم السلام صادقون في أقوالهم وأعمالهم، قال تعالى: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون} (يس: 52).
  3. الصبر, فقد دعوا إلى دين الله تعالى مبشرين ومنذرين, وقد أصابتهم صنوف الأذى وأنواع المشاق، فصبروا وتحمّلوا في سبيل إعلاء كلمة الله، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل} (الأحقاف: 35).

آيات الرسل ومعجزاتهم:

أيّد الله تعالى رسله عليهم السلام بالدلائل والقرائن المتنوعة على صدقهم ونبوتهم, ومن ذلك تأييدهم بالمعجزات والآيات الظاهرة التي ليست في مقدور البشر؛ من أجل تقرير صدقهم وإثبات نبوتهم.

والمراد بالمعجزات: الأمور الخارقة للعادة التي يظهرها الله تعالى على أيدي أنبيائه ورسله على وجه يعجز البشر عن الإتيان بمثله.

ومن ذلك:

  • تحويل عصا موسى عليه السلام إلى حية.
  • إخبار عيسى عليه السلام قومَهُ بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم.
  • انشقاق القمر لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.