الفرق بين اليأس والقنوط .

السؤال : ما الفرق بين القنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله ؟ وأيهما أشد ؟

الجواب :

الحمد لله 

” اختلف العلماء في الفرق بين اليأس والقنوط على أقوال منها:

أن ظاهر القرآن يدل على أن اليأس أشدّ من القنوط، حيث حكم على أهل اليأس بالكفر فقال تعالى: ( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) ، وحكم على أهل القنوط بالضلال كما قال تعالى: ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ ) ومعلوم أن الضلال قد يكون كفرا ، وقد يكون دون الكفر . أنه لا فرق بينهما، ووصْفُ أهل اليأس بالكفر، وأهل القنوط بالضلال، لا يدل على الفرق، فالضَّلالُ والكفرُ يجتمعان، ويقال: هو ضالٌّ، ويقال: هو كافر ؛ فالكفر يسمَّى ضلالاً؛ كما قال الله تعالى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) . الفرق بينهما باعتبار بعض الصفات، لا باعتبار أصل المعنى، وإلا فإن القنوط من الرحمة ، واليأس من الرَّوْح : هما بمعنى واحد، لكن يختلفان من حيث ما يتناوله هذا ، وما يتناوله هذا ؛ فالقنوط من رحمة الله عام ؛ لأن الرحمة أعم من الروح، فالرحمة تشمل جلب النعم ، ودفع النقم، وروح الله – جل وعلا – يطلق في الغالب في الخلاص من المصائب . فقوله: (القنوط من رحمة الله) في أثر ابن مسعود رضي الله عنه: ( أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ) هذا أعم؛ ولهذا قدمه ، فيكون ما بعده من عطف الخاص على العام، أو يكون هناك ترادف في أصل المعنى، واختلاف في الصفات، أو بعض ما يتعلق باللفظ .   اليأس: انقطاع الطمع من الشيء، والقنوط: أخص منه، فهو أشد اليأس ، ويدل عليه قوله تعالى : ( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) . اليأس: أن يستبعد زوال المكروه، والقنوط: أن يستبعد رحمة الله سبحانه وتعالى ، ويستبعد حصول المطلوب، ويدل على التفريق أثر ابن مسعود رضي الله عنه السابق ؛ حيث فرّق بين اليأس والقنوط . اليأس هو: انعدام الأمل في القلب، ومتى ما وصل ذلك إلى درجة شديدة بنحو ينعكس على مظهر الإنسان أصبح قنوطًا . وعلى هذا فاليأس صفة للقلب ، وهو: أن يقطع رجاءه من الخير وهي المؤثرة، وما يظهر على الصورة من التضاؤل والانكسار ، هو القنوط .

والراجح – والله أعلم – وجود الفرق بين اليأس والقنوط حال اجتماعهما في اللفظ ، كقوله تعالى: ( لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ) .

قال ابن جرير في معنى الآية: ” إن ناله ضر في نفسه من سقم، أو جهد في معيشته، أو احتباس من رزقه فيئوس قنوط، يقول: فإنه ذو يأس من روح الله وفرجه، قنوط من رحمته، ومن أن يكشف ذلك الشر النازل به عنه ” .

وكما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) ، وقول ابن مسعود رضي الله عنه السابق : ( أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ) …

فدل ذلك على الفرق بينهما حال اجتماعهما في اللفظ، وأما إذا افترقا في اللفظ : فالظاهر – والله أعلم – أنهما بمعنى واحد.

وأما القول بأن اليأس أشد من القنوط ، لكون ظاهر القرآن حكم على أهل اليأس بالكفر، فقال تعالى: ( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) ، بينما حكم على أهل القنوط بالضلال ، قال تعالى: ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ ) : فلا يلزم منه أن يكون اليأس أشد، إذ ربما يكون الحكم بالضلال زائدًا على الحكم بالكفر، فيجتمع فيه وصفان شنيعان ، لقبح الفعل وشدته ، كما قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) ، وقال تعالى: ( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) ؛ فحكم هنا على من دعا غير الله بالكفر، وحكم عليه في موضع آخر بالضلال ، فقال تعالى: ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) ، ومما يشعر بأن القنوط أشد من اليأس الفرق اللغوي، حيث جعل القنوط أشد أنواع اليأس ” انتهى بتصرف يسير، من بحث للشيخ إبراهيم الحماد في “مجلة البحوث الإسلامية” (89/178) .

والله أعلم . 

Category: Uncategorized