تخريج حديث عوف بن مالك الأشجعي في فضل ” لا حول ولا قوة إلا بالله ” ، وسبب نزول قوله تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ).

الجواب :
الحمد لله
هذا الحديث لا يصح من جميع طرقه .
روى الطبراني في “الدعاء” (1672) من طريق الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ” جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوا ابْنِي وَإِنَّهُمْ يُكَلِّفُونَهُ مِنَ الْفِدَاءِ مَا لَا نُطِيقُ، قَالَ: ( ابْعَثْ إِلَى ابْنِكَ فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) قَالَ: فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ فَقَالَهَا، فَغَفَلَ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَاقَ خَمْسِينَ بَعِيرًا مِنْ إِبِلِهِمْ فَقَعَدَ عَلَى بَعِيرٍ مِنْهَا حَتَّى أَتَى بِهَا أَبَاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق/ 3 .

وهذا حديث موضوع ، فإن الكلبي كذاب .
قال سفيان : قال لى الكلبي : كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب .
وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد بن حنبل : يحل النظر في تفسير الكلبى ؟ قال: لا.
وقال ابن حبان : مذهبه في الدين ، ووضوح الكذب فيه : أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه ، يروى عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير ، وأبو صالح لم ير ابن عباس ، ولا سمع الكلبى من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف ، لا يحل ذكره في الكتب ، فكيف الاحتجاج به ؟!” انتهى “ميزان الاعتدال” (3 /557-559) .

ورواه الخطيب في “تاريخه” (10/118) من طريق إسماعيل بن زياد السكوني ، عن جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس .
وإسماعيل .. قال عنه ابن حبان : ” شيخ دجال لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه ” انتهى من ” ميزان الاعتدال” (1/ 230) .
وجويبر هو ابن سعيد الأزدي ، متروك ، كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما ، وضعفه ابن المديني جدا .
“ميزان الاعتدال” (2/222) ، “التهذيب” (2/106) .
والضحاك لم يلق ابن عباس .

وله شاهد يرويه أبو الحسن النيسابوري في “أسباب النزول” (ص 457).
وفي إسناده عبيد بن كثير العامري : قال الأزدي والدارقطني: متروك الحديث.
” ميزان الاعتدال ” (3/ 23) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
” وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : جَاءَ مَالِكٌ الْأَشْجَعِيُّ إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لَهُ: أُسِرَ ابْنِي عَوْفٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَرْسِلْ إِلَيْهِ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أَنْ تُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) … فذكر الحديث ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ” .
انتهى من “تفسير ابن كثير” (8/ 170) .
وهذا معضل .

وقال الثعلبي في “تفسيره” (9/ 336) ، وتبعه البغوي في ” تفسيره ” (5/109) :
” قال أكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي ، وذلك أنّ المشركين أسروا ابنا له يسمّى : سالما، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إنّ العدوّ أسر ابني وشكا إليه أيضا الفاقة ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( ما أمسى عند آل محمد إلّا مُدٌّ ، فاتّق الله واصبر ، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلّا بالله) .
وروى ابن جرير (23/ 447) عن السدي : ” أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له عوف الأشجعي ، كان له ابن ، وأن المشركين أسروه ، فكان فيهم ، فكان أبوه يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فيشكو إليه مكان ابنه ، وحاله التي هو بها وحاجته ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بالصبر ويقول له: إن الله سيجعل له مخرجا، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا إذ انفلت ابنه من أيدي العدو، فمر بغنم من أغنام العدو فاستاقها، فجاء بها إلى أبيه ، وجاء معه بغنى قد أصابه من الغنم ، فنزلت هذه الآية: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) .
ثم رواه بنحوه عن سالم بن أبي الجعد ، ليس فيه ذكر : ” لا حول ولا قوة إلا بالله “
وهذان مرسلان .

وروى الحاكم (1993) ، والبيهقي في “الدلائل” (6/106) عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: ” أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأُرَاهُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَنِي فُلَانٍ أَغَارُوا عَلَيَّ فَذَهَبُوا بِابْنِي وَإِبِلِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ آلَ مُحَمَّدٍ كَذَا وَكَذَا أَهْلَ بَيْتٍ – وَأَظُنُّهُ قَالَ تِسْعَةَ أَبْيَاتٍ – مَا فِيهِمْ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ، وَلَا مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، فَاسْأَلِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، قَالَتْ: مَا رَدَّ عَلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَخْبَرَهَا، قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثِ الرَّجُلُ أَنْ رُدَّ عَلَيْهِ إِبِلُهُ، وَابْنَهُ أَوْفَرَ مَا كَانُوا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، ” فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمْ بِمَسْأَلَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالرَّغْبَةَ إِلَيْهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ) .
وليس فيه : ” لا حول ولا قوة إلا بالله ” .
وإسناده ضعيف ، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه .
ثم رواه البيهقي عن أبي عبيدة مرسلا بدون ذكر أبيه .
والحديث ضعفه الألباني في “ضعيف الترغيب والترهيب” (972) .

والخلاصة :
أنه حديث ضعيف من جميع طرقه، وبعضها أشد ضعفا من بعض ، وخاصة مع ذكر الحوقلة.
واللفظ الذي ذكره السائل فيه زيادات لم نرها في شيء من طرق الحديث .

والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized