تفسير حديث ( لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين )

أولا أود أن أشكرك على ما تقدمه من عمل وجهد على هذا الموقع ، فلقد استفدت منه كثيرا ، والحمد لله ، وجزاك الله خيرا . سؤالي يتعلق بحديث قرأته في تفسير ابن كثير ، في تفسيره للآية الواحدة والخمسين من سورة القلم ، والحديث يقول: ( نَعَمْ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْن ) وسؤالي هو : إذا كان الله عز وجل قد قدر لكل مخلوق ما سيكون ، وحفظ ذلك في اللوح المحفوظ ، وأن ما قدره سيحدث بكل تأكيد ، فكيف تتفوق العين الشريرة على القدر ؟ هل المقصود من هذا هو التأكيد على قوة العين الشريرة ؟ أرجو أن يكون السؤال واضحا . وجزاك الله خيرا .

الجواب :

الحمد لله

هذا الحديث رواه الإمام مسلم (2188) في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (الْعَيْنُ حَقٌّ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) .

وروى الترمذي (2059) عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت : (يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) وصححه ابن عبد البر في “الاستذكار” (7/409) ، وصححه الألباني في “السلسلة الصحيحة” (1252) .

وليس في هذا الحديث ما يدل على معارضة العين لقدر الله عز وجل ، بل هي من القدر ، وكل ما يصيب الناس من مصائب وابتلاءات إنما هي من أقدار الله ، ولكن الحديث جرى مجرى المبالغة في إثبات أثر العين ، كي يندفع ما في قلوب بعض الناس من الشك في تأثير العين على الإنسان ، ففي هذا الحديث إثبات أثر العين ، وتأكيد ذلك بأسلوب المبالغة في سرعة التأثير وقوته ، وفيه أيضا إثبات أن العين من قدر الله .

قال القرطبي رحمه الله :

“(ولو كان شيء سبق القدر لسبقته العين) : هذا تحقيق لإصابة العين ، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل ، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء ، فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته ، ولا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، وإنما هذا خرج مخرج قولهم : لأطلبنك ولو تحت الثرى . أو : لو صعدت إلى السماء ، ونحوه مما يجري هذا المجرى ، وهو كثير” انتهى بتصرف يسير .

“المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم” (5/566) .

وقال ابن عبد البر رحمه الله :

“وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين ) دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له ، وأن العين لا تسبق القدر ، ولكنها من القدر” انتهى .

“التمهيد” (6/240) .

وقال أيضا رحمه الله :

“وفي قوله : ( لو سبق شيء القدر لسبقته العين ) دليل على أن الصحة والسقم قد علمهما الله تعالى ، وما علم فلا بد من كونه على ما علمه ، لا يتجاوز وقته ، ولكن النفس تسكن إلى العلاج والطب والرقى وكل سبب من أسباب قدر الله وعلمه” انتهى .

“الاستذكار” (8/403) .

وقال القاضي عياض رحمه الله :

“(لو سبق شيء القدر سبقته العين) : بيان أن لا شيء إلا ما قدره الله ، وأن كل شيء من عين وغيره إنما هو بقدر الله ومشيئته ، لكن فيه صحة أمر العين وقوة دائه” انتهى .

“إكمال المعلم” (7/85) .

قال النووي رحمه الله :

“(ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) فيه إثبات القدر ، وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة ، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى ، وسبق بها علمه ، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى” انتهى .

“شرح مسلم” (14/174) .

وقال أبو الوليد الباجي رحمه الله :

“(لو سبق القدر شيء لسبقته العين) يقتضي أنه لا يسبق القدر شيء … لكن لما كان تأثير العين تأثيرا متواليا بينا قال فيه صلى الله عليه وسلم هذا القول على معنى المبالغة فيه” انتهى .

“المنتقى شرح الموطأ” (7/258) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

“جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين ، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء ، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله ، وهو لا راد لأمره ، أشار إلى ذلك القرطبي ، وحاصله : لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين ، لكنها لا تسبق ، فكيف غيرها ؟!” انتهى .

“فتح الباري” (10/203-204) .

 

والله أعلم .

 

Category: Uncategorized