توجيه النصوص الشرعية التي فيها عدم قبول توبة التائب

الجواب :
الحمد لله
أولاً :
ثبت بالأدلة القطعية من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أن الله تعالى يقبل توبة من تاب إليه ، من أي ذنب كان ، كقول الله تعالى : ( قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/53 >
وكقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) الشورى/25.
وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر) رواه الترمذي ، وابن ماجه ، وحسنه الألباني .
فإذا جاء في نص من نصوص الشريعة أن الله لا يقبل توبة من تاب فإن الواجب أن يحمل هذا النص على معنى من المعاني الصحيحة التي لا تتعارض مع الأصل المتقدم ، لأن نصوص الشريعة لا يمكن أن تتعارض .

ومن هذه النصوص : الحديث الوارد في السؤال وقد رواه الترمذي (1862) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ ، لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الخَبَالِ ) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” صحيح سنن الترمذي ” .
والمشكل في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم في المرة الرابعة : (فإن تاب لم يتب الله عليه) .
وقد ورد مثل هذا أيضا في القرآن الكريم ، في قول الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ ) آل عمران/90 .
وقد اتفق العلماء على أن الكافر إذا تاب من كفره وأسلم : فإن الله تعالى يقبل توبته .
فتنوعت أقوال العلماء في معنى الآية الكريمة ، غير أنهم متفقون على أنها لابد أن تفسر بمعنى لا يتعارض مع قبول الله التوبة ممن تاب إليه .

ونقتصر هنا في بيان معنى الآية على الأقوال التي يصح أن تقال أيضا في الحديث الوارد في السؤال .
فذهب بعض المفسرين إلى أن معنى ( لن تقبل توبتهم ) : أنهم لن يتوبوا إلا بعد أن يحضرهم الموت ، وتلك توبة لا تنفع ولا تقبل .
وذهب آخرون إلى أن المعنى : أنهم لن يتوبوا أصلا ، بل سيستمرون على الكفر حتى يموتوا عليه ، فجعل هؤلاء عدم قبول التوبة ، كناية عن عدم توبتهم .
فتكون هذه الآية الكريمة – على هذين المعنيين – كقول الله تعالى : (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/18 .
وقال آخرون : إن معنى (لن تقبل توبتهم) أنهم لن يوفقهم الله للتوبة ، وهذا في حقيقته هو القول السابق ، وحاصله : أنهم لن يتوبوا ، بل سيموتون على الكفر ، وعدم توفيق الله لهم للتوبة إنما هو بسبب ذنوبهم وإعراضهم ، كما سيأتي الآيات الدالة على ذلك .
ومن المفسرين من اقتصر على القول الأول في تفسير الآية ، كابن كثير والبغوي رحمهما الله.
قال ابن كثير في تفسيره (2/71) :
” لا يقبل الله لهم توبة عند مماتهم، كما قال تعالى : ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) … ” انتهى .
وقال البغوي رحمه الله في تفسيره (2/65) :
” فإن قيل : قد وعد الله قبول توبة من تاب ، فما معنى قوله : ( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُم الضَّالُّونَ) ؟
قيل: لن تُقبل توبتُهم إذا رجعوا في حال المعاينة ” انتهى .
ومن المفسرين من اقتصر على القول الثاني ، كالسعدي رحمه الله – وإن كان في كلامه ما يشير إلى القول الأول أيضا – فإنه قال في تفسيره (ص137) :
“يخبر تعالى أن من كفر بعد إيمانه ، ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في الغي والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى، أنه لا تقبل توبتهم، أي: لا يوفقون لتوبة تقبل ، بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى : (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) ، (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم ، وترك الصراط المستقيم ، وقد قامت عليه الحجة ، ووضح الله له الآيات والبراهين ، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه ، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة ، ولهذا حصر الضلال في هذا الصنف، فقال (وأولئك هم الضالون) وأي: ضلال أعظم من ضلال من ترك الطريق عن بصيرة ” انتهى .
ومن المفسرين من ذكر القولين في تفسير الآية ، وقد يضيف إليهما أقوالا أخرى ، ويؤخذ من كلام أكثرهم أنهم يختارون هذين القولين أو أحدهما .
قال الشنقيطي رحمه الله فيه “أضواء البيان” (1/234) :
“قال بعض العلماء : يعني إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت ، فتابوا حينئذ ، وهذا التفسير يشهد له قوله تعالى : (وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) [ النساء : 18 ] .
وقد تقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد ، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا .
وقال بعض العلماء : معنى : (لن تقبل توبتهم) لن يوفقوا للتوبة حتى تقبل منهم ، ويشهد له قوله تعالى : (إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) [ النساء : 137 ] ؛ فعدم غفرانه لهم لعدم هدايتهم السبيل الذي يغفر لصاحبه . ونظيرها قوله تعالى : (لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ) [ النساء : 168-169 ]” انتهى .
وقال القاسمي في تفسيره “محاسن التأويل” (2/348) :
وقد أشكل على كثير قوله تعالى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة ، كما في الآية قبلها، وقوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) [الشورى: 25] ، وغير ذلك.
فأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحديّ في (الوجيز) : لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل- انتهى- . وقيل : عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم ، أي : لا يتوبون” انتهى .
وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله المعنى الأول في تفسير الآية فقال -كما في “مجموع الفتاوى” (4/117) :
“فإن قيل : فقد قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ) [ آل عمران : 90 ] ، وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) [ النساء : 137 ] ؟ قيل : إن القرآن قد بيَّن توبة الكافر، وإن كان قد ارتد ثم عاد إلى الإسلام في غير موضع، كقوله تعالى : (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ آل عمران : 86 – 89 ] ، وقوله : (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ) أى : إنه لا يهديهم مع كونهم مرتدين ظالمين؛ ولهذا قال : (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، فمن ارتد عن دين الإسلام لم يكن إلا ضالًا، لا يحصل له الهدى إلى أى دين ارتد .
والمقصود أن هؤلاء لا يهديهم الله ولا يغفر لهم إلا أن يتوبوا …. وهو ـ سبحانه ـ في آل عمران ذكر المرتدين، ثم ذكر التائبين منهم، ثم ذكر من لا تقبل توبته، ومن مات كافرًا، فقال : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [ آل عمران : 90، 91 ] .
وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالًا؛ …. وقال الأكثرون، كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي : لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، فيكون هذا كقوله : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) [ النساء : 18 ] .
وكذلك قوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) [ النساء : 137 ] ، قال مجاهد وغيره من المفسرين : ازدادوا كفرًا : ثبتوا عليه حتى ماتوا .
قلت : وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر يزداد كفرًا بعد كفر، فقوله : (ثُمَّ ازْدَادُواْ) بمنزلة قول القائل : ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم ، ثم زاد كفرهم ، ما نقص، فهؤلاء لاتقبل توبتهم، وهى التوبة عند حضور الموت” انتهى باختصار .

ثانيا :
هذان القولان اللذان قد قيلا في معنى الآية الكريمة ، يمكن أن يقالا أيضا في الحديث الوارد في السؤال .
فيكون معنى عدم قبول توبة شارب الخمر في المرة الرابعة : أنه سيؤخر التوبة ، فلا يتوب إلا حين الموت ، فلا تقبل توبته .
أو أنه لن يوفق للتوبة ، وسيموت مصرا على شرب الخمر .
أما من تاب ، قبل حضور الموت : فإن توبته مقبولة .
وقد صرح بعض العلماء أن هذا الحديث كالآية التي ذكرنا تفسيرها .
قال السندي في شرحه لسنن النسائي :
“وَهَذَا مُشْكِل… وَالْمُرَاد بِعَدَمِ قَبُول التَّوْبَة : أَنَّهُ لَا يُوَفَّق لِلتَّوْبَةِ غَالِبًا، وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم” انتهى .
وقال علي القاري في ” مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” (6/2386) :
” ( فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ ) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْوَعِيدِ وَالزَّجْرِ الشَّدِيدِ ، وَإِلَّا فَقَدَ وَرَدَ : ( مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ … قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : أَنَّ قَوْلَهُ : ( إِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ ) مَحْمُولٌ عَلَى إِصْرَارِهِ وَمَوْتِهِ عَلَى مَا كَانَ ، فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِ التَّوْبَةِ لَازِمٌ لِلْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي ، كَأَنَّهُ قِيلَ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ مَاتَ عَاصِيًا وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ( وَسَقَاهُ ) أَيِ اللَّهُ ( مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ ) . اهـ ….
وَلَعَلَّ نَقْضَ التَّوْبَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَى صَاحِبِهَا ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) النساء : 137 ، وَكَأنَ الْغَالِبَ أَنَّ صَاحِبَ الْعَوْدِ إِلَى الذَّنْبِ ثَلَاثًا : لَمْ تَصِحِّ لَهُ التَّوْبَةُ ، كَمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْآيَةُ بِعَدَمِ الْهِدَايَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) آل عمران : 90 ” انتهى .

وهذا التوجيه لمعنى الحديث ، بما يتوافق مع أصول الشريعة المستمرة المقطوع بها ، هو بتقدير أن تكون هذه اللفظة : ( فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ ) محفوظة في الحديث .
وإلا ، فالحديث رواه أحمد (4917) ، من حديث عبد الله بن عمر ، بنحوه ، ولم يذكر فيه ذلك ، وإنما فيه : ( .. فإن عاد، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ نَهَرِ الْخَبَالِ )، قِيلَ: وَمَا نَهَرُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ( صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ ) .
وينظر : التعليق على “مسند الإمام أحمد “، ط الرسالة (8/514) .

بل قد روي هذا الحديث ، من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ، أيضا .
وفي رواية الإمام أحمد له في ” المسند ” (6644) : أن عبد الله بن الديلمي قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه : بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ: أَنَّه : ( مَنْ شَرِبَ شَرْبَةَ خَمْرٍ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ تَوْبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا … ) .
فقال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ !!
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ – قَالَ: فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ – فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
فأنكر عبد الله بن عمرو أن يكون روى عدم قبول توبة شارب الخمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رواه بنحو رواية ابن عمر التي لم يذكر فيها عدم قبول التوبة .
وينظر : التعليق على ” المسند ” (11/220) وما بعدها ، وأيضا (11/387) .

والنفس أميل إلى عدم ثبوت هذه اللفظة في الحديث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس إسناده بذاك الذي يقوم بمثل هذا المتن المُشكل .

والله أعلم .

Category: Uncategorized