حدّ الحديث الصحيح بين المحدثين والفقهاء

السؤال : ما الفرق بين الفقهاء والمحدثين في الحديث الصحيح ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

الحديث الصحيح عند المحدثين؛ هو الحديث الذي ورد:

” بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ ” انتهى، من “نزهة النظر” (ص 52).

وقد بسط الشافعي رحمه الله تعالى شروط الصحة، فقال:

” ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا:

منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدِّث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى، وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام . وإذا أداه بحروفه، فلم يبق وجه يُخاف فيه إحالته الحديث .

حافظا إن حدث به من حفظه، حافظا لكتابه، إن حدث من كتابه.

إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم .

بريا من أن يكون مدلسا: يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي.

ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت ” انتهى. “الرسالة” (ص 370 – 372).

فيشترط لصحة الحديث خمسة شروط:

الشرط الأول: اتصال السند: وهو أن يكون كل راو في السند قد أخذ الحديث عن الراوي قبله (شيخه) مباشرة، إلى أن يصل السند إلى نهايته. فلهذا وجود انقطاع في سلسلة السند يضعفه ويخرجه عن حدّ الصحة.

الشرط الثاني: أن يكون كل راو في السند قد تحققت عدالته، بأن يكون مسلما موثوقا بدينه وتقواه.

الشرط الثالث: أن يكون كل راو في السند قد تحقق ضبطه، وهو إن كان يحدث من حفظه فيكون ممن ثبت أنه متقن لما يحفظ، وإن كان يحدث من كتابه فيكون ممن عرف بمحافظته على ما كتبه عن شيوخه، فلا تلحقه زيادة ولا نقصان.

الشرط الرابع: أن يكون الحديث سالما من الشذوذ: فلا يخالف فيه راويه الجماعة، ومن هو أرجح منه في الحفظ.

قال الشافعي رحمه الله تعالى:

” ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس، هذا الشاذ من الحديث ” انتهى. من “معرفة علوم الحديث” للحاكم (ص 119).

الشرط الخامس: أن يكون الحديث سالما من العلة، والعلة هي شيء خفي يؤثر في صحة الحديث، مع أنه في الظاهر سليم منها.

قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى:

” فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها ” انتهى. “مقدمة ابن الصلاح” (ص 187).

فهي إذًا: سبب خفي لا يدرك إلا بالبحث والتفتيش بعد جمع أسانيد الحديث وطرقه.

قال الخطيب رحمه الله تعالى:

” والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط ” انتهى. “الجامع” (2 / 295).

ثانيا:

الفقهاء يوافقون المحدثين على أن الحديث بهذه الشروط الخمسة هو صحيح، ولهذا نص بعض أهل العلم أن الحديث الذي توفرت فيه هذه الشروط الخمسة، هو مجمع على صحته.

قال ابن الملقن رحمه الله تعالى:

” فالصحيح المجمع عليه:

ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين، من غير شذوذ ولا علة ” انتهى. “المقنع” (1 / 42).

والفقهاء رأوا أيضا أن الحديث يصح بدون شرطي نفي الشذوذ والعلة، واكتفوا بالشروط الثلاثة الباقية ( اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم ).

قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:

” ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر من الفقه.

فمن لم يقبل المرسل منهم: زاد في ذلك أن يكون مسندا ” انتهى، من “الاقتراح” (ص 215 – 216).

وقال الذهبي رحمه الله تعالى:

” الحديث الصحيح:

هو ما دار على: عدل متقن واتصل سنده. فإن كان مرسلا ففي الاحتجاج به اختلاف. وزاد أهل الحديث: سلامته من الشذوذ والعلة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل يأبونها ” انتهى. “الموقظة” (ص 24).

وسبب ذلك أن نظر الفقهاء منصب على معنى نص الحديث؛ حيث يجب ألا يكون بينه وبين الشرع مناقضة.

قال الحازمي رحمه االله  تعالى في رسالته “شروط الأئمة الخمسة”:

” ينبغي أن يعلم أن جهات الـضعف متباينـة متعددة، وأهل العلم مختلفون في أسبابه، أما الفقهاء فأسباب الضعف عنـدهم محـصورة، وجلّها منوط بمراعاة ظاهر الشرع، وعند أئمة النقل أسباب أخر مرعية عندهم، وهي عند الفقهاء غير معتبرة ” انتهى. من “ثلاث رسائل في علوم الحديث” (ص 173).

فإذا سلم نص الحديث من هذه المناقضة، فهو مما يمكن أن يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكتفون بصحة ظاهر الإسناد لإثباته، وقيام سبب خفي يشكك في وهم الراوي الذي ثبت أنه ثقة، لا يلتفت إليه عندهم.

وأما أهل الحديث، فعند الشك في رواية الثقة، فإن نظرهم منصب في هذه الحالة على غلبة الظن، وليس مجرد الإمكان، فلا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما غلب على ظنهم أن راويه لم يهم ولم يخطئ في روايته.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

” تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال، فيعتمد. ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح ” انتهى. “فتح الباري” (1 / 585).

 

وينظر للفائدة ، والتوسع في المسألة :

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=257516

وأيضا :

http://www.alukah.net/sharia/0/108876/

و :

http://www.alukah.net/sharia/0/48834/

 

والله أعلم.

Category: Uncategorized