حكم الاغتسال والاستشفاء بنبع الماء المنسوب لنبي الله أيوب

الجواب :
الحمد لله
أولاً:
اشتهرت نسبة القبر المعروف في بلدة ” الشيخ سعد ” من قُرى حوران ، إلى نبي الله أيوب عليه السلام ، وكذلك ينسبون نبع الماء فيها إليه ، وقد ذكر ذلك عدد من المؤرخين والجغرافيين المتقدمين ، ينظر ” معجم البلدان ” (2/499) .
وذكر ذلك النووي رحمه الله في ” تهذيب الأسماء واللغات ” (1/131) حيث كانت قريبة من بلدته ” نوى ” ، فقال : ” وكان أيوب ببلاد حوران ، وقبره مشهور عندهم في قرية بقرب نوى ، عليه مشهد ومسجد ، وقرية موقوفة على مصالحه ، وعين جارية فيها قدم في حجر يقولون إنه أثر قدمه ، ويغتسلون من العين ويشربون متبركين ، ويقولون : إنها المذكورة في القرآن ، وهى قطع كبير جدًا في وسط صخرة عظيمة ، وعليها مشهد ، وهناك صخرة عليها مشهد يقولون : إنه كان يستند إليها ، ويزورونها ويعتقدون بركة تلك المواضع كلها والله أعلم ” انتهى .

وما ذكروه من القطع بتحديد مكان قبر نبي الله أيوب عليه السلام والعين التي شُفي باغتساله فيها : مجازفة لا دليل عليها ؛ ولذا نجد النووي – رحمه الله تعالى – لا ينسب ذلك إلى أحد من أهل العلم أو يؤكده ، بل ينسبه إلى كلام الناس فيقول : ” يقولون إنه أثر قدمه ” ، ” ويقولون إنها المذكورة في القرآن ” ، ” يقولون إنه كان يستند إليها ” .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” وليس في الأرض قبر اتفق الناس على أنه قبر نبي غير قبره [صلى الله عليه وسلم] ، وقد اختلفوا في قبر الخليل وغيره ” . انتهى من “مجموع الفتاوى” (27/116) .

وقال الشيخ ابن باز في ” مجموع الفتاوى ” (1/160) : ” جميع قبور الأنبياء لا تُعرف ما عدا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام، فإنه معلوم في بيته في المدينة عليه الصلاة والسلام، وهكذا قبر الخليل إبراهيم معروف في المغارة هناك في الخليل في فلسطين، وأما سواهما فقد بين أهل العلم أنها لا تعلم قبورهم ، ومن ادعى أن هذا قبر فلان أو قبر فلان فهو كذب لا أصل له ولا صحة له ” انتهى .

ثانياً :
لا يجوز اعتقاد البركة في هذه البقعة ؛ ولو سلَّمنا جدلا أنها مغتسل أيوب عليه السلام حقاً ؛ لأن المياه النابعة من الأرض متجددة ، والبركة إنما تكون بالماء الذي لامس جسد النبي الشريف عليه السلام ، وليس من أحد يستطيع اليوم أن يثبت استمرار جريان هذه العين دون انقطاع ، من عهد أيوب قبل آلاف السنين إلى اليوم ، أو يثبت بقاء أثره في هذا الماء مع تباعد الأزمنة ، وتطاولها آلاف السنين .
فكيف إذا أضيف إلى ذلك : أن هذا الاعتقاد مفضٍ إلى مفسدة هي أكبر المفاسد ، ألا وهي الشرك بالله ، لارتباط هذه العين بالقبر القريب منها ، فيجيء المريض الجاهل قد مسه الضر ، وهو مستعد لبذل أي سبب قد يعين على شفائه ، فيزين له شياطين الإنس والجن التبرك بالعين ، ويحضونه على الاستشفاع بصاحب القبر ، ثم ينتقل إلى دعاء صاحب القبر نفسه والاستغاثة به ، فلا يغادر المكان إلا وقد تلبس ببلاء أشد من البلاء الذي جاء للخلاص منه ، والله المستعان .

وقد عرَف الشيطان من الناس ميلهم السريع إلى البدع ، وغلوهم في قبور الأنبياء والصالحين ، حتى يؤول بهم الأمر إلى عبادتها – عياذاً بالله – ، وما تلقيه الشياطين على الناس في هذا الباب من أنواع الإضلال في اليقظة والمنام مشهور جدا .

وما ذكره النووي في عصره من المسجد المبني على ذلك القبر ، والمشهد المبني على الصخرة التي يقولون : إن أيوب عليه السلام كان يستند إليها ، وخروجهم عن الصراط المستقيم في ذلك : كل هذا دليل كاف للتحذير من التبرك بهذه البقعة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في “مجموع الفتاوى” (27/134-136) : ” وأما قول السائل: هل يجوز تعظيم مكان فيه خَلوق وزعفران لكون النبي صلى الله عليه وسلم رُئِي عنده ؟
فيقال : بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك : هو من أعمال أهل الكتاب الذين نُهِينا عن التشبه بهم فيها .
وقد ثبت أنَّ عمر بن الخطاب كان في السَّفر ، فرأى قوما يبتدرون مكاناً ، فقال: ما هذا ؟! فقالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: ومكان صلى فيه رسول الله ؟! أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ؟! من أدركته فيه الصلاة فليصلِّ ، وإلا فليَمْضِ ” . انتهى .

وجاء في كتاب ” تحذير المسلمين من القبوريين ” (ص91) : ” ومن العجائب أن قبراً في جبلٍ خارج صنعاء شرقا… يسمى بجبل النبي أيوب ، وفي رأسه قبر ، وقد بُنِيَ على القبر مسجد يقال للقبر : قبر النبي أيوب ، ويقع القبر في وسط المسجد ، وهذا القبر يؤتى إليه من بعض الأماكن اليمنية ، ويؤتى إليه من الدول خارج اليمن كمصر ، وباكستان ، والهند ، والعراق ، وتركيا ، وفي المسجد صورة المحراب الذي كان يتعبد فيه أيوب ، وفيه صورة ثدي المرأة ، وفي مؤخرته اكتشف قريبا قبر زوجة أيوب ، واسمها ” رحمة ” وبجانب ذلك الجبل نهر وأشجار ، فقالوا هو الماء الذي أمر الله أيوب أن يركض برجله ويغتسل فيه !!
وهذه المعلومات أخذتها من الرسول الذي أرسلته ليتقصى الحقائق ، فأخبره بها إمام مسجد قبر النبي أيوب ، وقد سأل أخونا المرسَلْ إمام المسجد : كيف عرفوا أن قبر النبي أيوب عليه السلام في هذا الجبل ؟
فأجاب : أن رجلا من [قبيلة] عنس ، هاجر واستقر في بلادهم ، ثم رأى سراجا في الليل في رأس الجبل ، فجاءه آتٍ في ثلاث ليال يقول له : إن هذا المكان الذي فيه النور فيه قبر النبي أيوب ، فاذهب وابْنِ مسجدا , وإن لم تفعل قتلت أولادك ؟
فذهب الرجل العنسي ، وأخبر بذلك ، فقاموا وتساعدوا معه في بناء المسجد ” انتهى .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ” مجموع الفتاوى ” (27/457) : ” وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء – أي من المعتقدين بصحة هذه القبور – أن يَدَّعي أنه رأى مناماً ، أو أنه وجد بذلك القبر علامة تدل على صلاح ساكنه : إما رائحة طيبة ، وإما توهم خرق عادة ، ونحوها ، وإما حكاية بعض الناس : إنه كان يعظم ذلك القبر ، فأما المنامات فكثير منها ، بل أكثرها : كذب ؛ وقد عرفنا في زمننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي ، أو أن فيه أثر نبي ونحو ذلك ، ويكون كذباً ، وهذا الشيء منتشر ” انتهى .

ثالثاً :
إن خُشي أن يتعلق الناس بالقبر فيدعونه من دون الله أو ينذرون له أو غير ذلك من أنواع الشركيات المنتشرة ، فينبغي تعمية القبر كما فعل الصحابة رضي الله عنهم مع قبر “دانيال” .
فقد أخرج محمد بن إسحاق في “مغازيه” عن أبي خلدة خالد بن دينار ، حدثنا أبو العالية قال : ” لما فتحنا تُستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت ، عند رأسه مصحف له ، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر رضي الله عنه فدعا له كعبا فنسخه بالعربية ، فأنا أول رجل من العرب قرأه قراءة مثلما أقرأ القرآن هذا ، فقلت لأبي العالية : ما كان فيه ؟
قال : ” سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم ، وما هو كائن بعد ” .
قلت : فما صنعتم بالرجل ؟
قال : ” حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة ، فلما كان بالليل دفناه ، وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه “.
فقلت : ما يرجون منه ؟
قال : ” كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون ” .
فقلت : من كنتم تظنون الرجل ؟
قال : ” رجل يقال له دانيال “.
فقلت : منذ كم وجدتموه مات ؟
قال : ” منذ ثلاثمائة سنة ” .
قلت : ما كان تغير منه شيء ؟
قال : ” لا ، إلا شعيرات من قفاه ، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ، ولا تأكلها السباع ” .
قال ابن كثير ” وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية ، ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة ، فليس بنبي ، بل هو رجل صالح ” انتهى من ” البداية والنهاية ” (2/377) .

قال ابن القيم : ” ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره ؛ لئلا يفتتن به الناس ، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به ، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ، ولعبدوه من دون الله ، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة ، وجعلوها معابد أعظم من المساجد ” انتهى من ” إغاثة اللهفان ” (1/204) .

رابعاً :
أما الشرب من هذا الماء والاغتسال منه طلباً للشفاء فذلك غير جائز ؛ لأنه لم يثبت في شرعنا ما يدل على أن هذا الماء له فضيلة على غيره أو أنه شفاء ، وإنما ثبت ذلك في ماء زمزم .
كما لا يجوز الذهاب إليه مطلقاً – حتى لو فُرِض أن فيه فائدة مادة حسية – للسبب الشرعي المذكور سابقا ؛ ولأن من يذهب هناك إنما يقصد مراعاة الأمر الغيبي في شأن الماء والبقعة.
ويؤكد هذا المنع وجود القبر الذي ينسب إلى أيوب عليه السلام هناك ، سواء صحت تلك النسبة أم لا ، فإن مجرد نسبته إلى أيوب عليه السلام يورث في النفوس تعظيماً له ، وقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فنهانا عن اتخاذ القبور مساجد ، ولعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .
ويتأكد هذا النهي أكثر إذا أتى الإنسان إلى هذا الموضع من مكان بعيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شد الرحال (السفر) إلا إلى المساجد الثلاثة فقط ، وهي : المسجد الحرام ، والمسجد النبوي ، والمسجد الأقصى .
وقد ذكر النووي – رحمه الله – أن الناس يزورون هذا المكان يعتقدون بركته ، وهذا وحده كافٍ في النهي عن السفر إلى هذا المكان والذهاب إليه.
والله أعلم .

Category: Uncategorized