حكم التحدث عن أمر ليس للإنسان فيه معرفة كافية.

الجواب :
الحمد لله
أولا :
ينبغي أن يتحرى المسلم في حديثه الصدق والأمانة ، وأن يكون حديثا مفيدا سواء في أمر الدنيا أو أمر الآخرة .
ولا يكثر من الكلام فيما لا فائدة فيه ، ولا طائل تحته ، وأن يتجنب القول بالظن ، وما لا علم له به ؛ فإن ذلك مقتضى الصدق والأمانة ، وقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين ، فقال عز وجل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/ 119
قال ابن كثير رحمه الله :
” اصدُقوا وَالْزَمُوا الصِّدْقَ تَكُونُوا مَعَ أَهْلِهِ وَتَنْجُوَا مِنَ الْمَهَالِكِ وَيَجْعَلُ لَكُمْ فَرَجًا مِنْ أُمُورِكُمْ، وَمَخْرَجًا ” انتهى من “تفسير ابن كثير” (4/ 230) .
وقال السعدي رحمه الله :
” (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق ، وأعمالهم، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا ، خلية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة ، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة ، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة ” .
انتهى من “تفسير السعدي” (ص 355) .
وروى أبو داود (4989) ، والترمذي (1971) عن ابن مسعود قال : قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا .
وَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا)وصححه الألباني في “صحيح أبي داود” .

ونهانا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن الظن ، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) الحجرات/ 12 .
وروى البخاري (5143) ، ومسلم (2563) عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ ) .
وقال تعالى : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) الإسراء/ 36 .
قال ابن كثير رحمه الله :
” قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَقُلْ : رَأَيْتُ ، وَلَمْ تَرَ، وَسَمِعْتُ ، وَلَمْ تُسْمِعْ ، وَعَلِمْتُ ، وَلَمْ تَعْلَمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ “
وَمَضْمُونُ مَا ذَكَرُوهُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنِ الْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ ، بَلْ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ التَّوَهُّمُ وَالْخَيَالُ ” انتهى من “تفسير ابن كثير” (5/ 75) .
وقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: ” لَا تتكلّم بِالْحَدْسِ وَالظَّنِّ ” انتهى .
“تفسير البغوي” (5/ 92) .
وقال السعدي رحمه الله :
” أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك ” انتهى من “تفسير السعدي” (ص 457) .

ويتأكد النهي عن ذلك في الأمور الشرعية ، وأحكام الحلال والحرام ، فإنه لا يجوز أن يتكلم أحد في دين الله بغير علم أو بالظن والتخمين ، وقد روى الإمام أحمد (6702) عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ، فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ، فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ ) وصححه محققو المسند .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” ما علِم الإنسان كان عليه أن يتبعه ويأتم به ، فهو في حقه إمام يأتم به ، وما جهل منه كالذي يشتبه عليه ولا يعرف معناه فإنه يكله إلى عالمه ” انتهى من “بيان تلبيس الجهمية” (8/ 377) .
وانظر جواب السؤال رقم : (126198) .

وعلى هذا :
لا ينبغي للمسلم أن يتحدث عن أمر ليست له معرفة كافية به ، ولا عن أمر لا يتذكر وقائعه بشكل صحيح ، ولا عما لا علم له به ، ولكن يتحدث – إذا تحدث – بعلم ، وإلا ، ففي الصمت السلامة ، ولا يكلفه الله أن يتحدث بالظن الذي هو أكذب الحديث ، ولا بما لا معرفة له به كافية .

وقد يحتاج المسلم أحيانا إلى التكلم بما يظنه أو لا يتذكره جيدا ، فينبغي عليه في هذه الحالة أن يبين هذا لسامعه أنه إنما يتكلم عن ظن وليس عن علم .
وبالجملة :
فلا يتكلم المسلم إلا بما يعلمه ، ويتجنب حديث الظن والتخمين والاحتمالات ، إلا في حدود المصلحة التي يتعين معها مثل هذا الحديث .
والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized