حكم ربط البهائم وحبسها لأجل علفها وتسمينها

السؤال : نحن نشتغل بالدواب ، بتسمين الثيران ، ولو تركنا الثيران في الحديقة تمشي وتلعب فمهما أطعمناها لا تسمن مقارنة بالثيران المربوطة ، أما أنا شخصيا لا أربط الثور ولو مرة لشفقتي عليه ؛ ولأني أعتبر ذلك تعذيبا للحيوان ، أما اقاربي فكلهم يربطون الدواب ، ويضحكون علي ، ويقولون : لي إنك عاطفي تحرم ما أحل الله ، لو كان ذلك حراما لحرمه النبي صلى الله عليه وسلم . فما حكم ربط الثيران للتسمين لمدة 5 أو 6 أو أكثر ؟ بحيث يكون للثور الواحد 90 سنتيمترا أو أقل ، علما بأن الدابة لا تستطيع أن تحك نفسها ، أو تطرد الذباب عنها ، وتبقى كل هذه المدة بدون تحرك ، ولهذا السبب في بعض الأحيان تتورم قوائمها ؟ 

الجواب :

الحمد لله

أولا:

لا يجوز تعذيب الحيوان ولا إيذاؤه، كأن يحبس ولا يطعم، أو يضرب بلا حاجة، أو يوسم على وجهه؛ لورود النهي عن ذلك، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( دخلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّة حبَسَتْها، لا هي أطعَمَتْها ولا هي ترَكَتْها تأكُلُ مِن خَشَاش الأرض حتى ماتَتْ ) . رواه البخاري ( 3140) ومسلم ( 2242 ).

في رواية للبخاري (2365) : (عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ» قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ: «لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلاَ سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا، فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ).

وخشاش الأرض : حشراتها وهوامها .

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم : ( أنَّهُ نَهَى أنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْراً ) . رواه مسلم ( 1959).

ومعنى (صبراً) ، أي : تحبس حتى تموت أو ترمى بالسهام ونحوها .

وعنه رضي الله عنه قال : ( نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن الضَّرْبِ في الوَجْهِ ، وَعَن الوَسْمِ في الوَجْهِ ) . رواه مسلم ( 2116).

وعَنْه رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ : ( لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ ) . رواه مسلم ( 2117 ) .

 

واستنبط من حديث الهرة أن الحيوان لو حبس وأطعم : فلا حرج.

قال العراقي رحمه الله: ” قد يستدل به على أن مجرد ربط الحيوان المملوك ليس حراما ، لأنه لم يرتب الذم إلا على ترك إطعامها وإرسالها .

وقال النووي : فيه دليل لتحريم قتل الهرة وتحريم حبسها بغير طعام، أو شراب” انتهى من طرح التثريب (8/ 243).

 

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ” وفهم من هذا الحديث أنها لو جعلت عندها طعاما وشرابا يكفي : فإن ذلك لا بأس به.

ومن هذا : الطيور التي تحبس في الأقفاص، إذا وضع عندها الطعام والشراب ، ولم يقصر عليها ، وحفظها من الحر والبرد فلا بأس .

وأما إذا قصر وماتت بسبب تقصيره فإنه يعذب بها” انتهى من شرح رياض الصالحين (6/ 293).

 

ثانيا:

لا حرج في ربط الحيوان مع إطعامه، ولا يعتبر الربط إيذاء له، ولم يزل المسلمون يربطون دوابهم لأجل الحفظ وغيره دون نكير. وقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم البراق، كما روى مسلم (162) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ)، قَالَ: (فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ)، قَالَ ( ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ).

وروى الترمذي (2517) عن أَنَس بْن مَالِكٍ، قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: (اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ) وحسنه الألباني.

قال في مختار الصحاح ص215 : ” وَ (عَقَلَ) الْبَعِيرَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ ثَنَى وَظِيفَهُ مَعَ ذِرَاعِهِ، فَشَدَّهُمَا فِي وَسَطِ الذِّرَاعِ. وَذَلِكَ الْحَبْلُ هُوَ (الْعِقَالُ) وَالْجَمْعُ (عُقُلٌ)” انتهى.

والوظيف: مُستدَقّ الساق.

 

وهذا يدل عل جواز ربط البهائم.

 

وهذا الربط لا يضر الدابة، ولا يمنعها من طرد الذباب أو حك جلدها، فتهش الذباب بذنبها، وتحك جلدها فيما حولها من جدار ونحوه.

 

لكن .. لو فرض أن أحدا يبالغ في شد الحبل على الدابة حتى يؤذيها ذلك ، فإنه ينصح بأن يرخي لها الحبل قليلا ، ويدفع عنها الأذى والضرر ، ما أمكنه ذلك .

 

والله أعلم.

Category: Uncategorized