رضّ خصية غيره حتى جعله عقيما فهل يقتص منه؟

السؤال : ما حكم القصاص في الخصاء اي رضخ الخصيتين حتى العقم عمدا ؟

الجواب :

الحمد لله

القصاص مشروع في النفس والأطراف، إذا أمكن استيفاؤه بلا حيف أي جور وظلم.

قال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة/179

وروى البخاري (2413) ومسلم (1672) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلاَنٌ، أَفُلاَنٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، «فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ»

 

وروى البخاري ( 233 ) ، ومسلم ( 1671 ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : ” قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ، فَانْطَلَقُوا ، فَلَمَّا صَحُّوا ، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ ، يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ ” .

ومعنى ( سُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ ) قد جاء بيان معناها في رواية أخرى عند البخاري ( 3018 ) : ( ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا ).

 

وسمر النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم على وجه القصاص والعقوبة بالمثل؛ لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، كما جاء مبينا في رواية مسلم (1671) عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: ” إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ ” .

 

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ” وفيها من الفقه … أنه يفعل بالجاني كما فعل ، فإنهم لما سملوا عين الراعي ، سمل أعينهم ” انتهى من ” زاد المعاد ” ( 3 / 255 ).

 

وقال ابن حجر رحمه الله :” وفي هذا الحديث من الفوائد … المماثلة في القصاص ، وليس ذلك من المثلة المنهي عنها ” انتهى من ” فتح الباري ” ( 1 / 341 ).

 

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ” والصحيح أنه يقتص من كل جرح؛ لعموم قوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ؛ فمتى أمكن القصاص من جُرح : وجب إجراء القصاص فيه، وعلى هذا فإذا قال الأطباء: نحن الآن نقتص منه بالسنتيمتر ، بدون حيف : فإنه يقتص منه .

فلو أن رجلاً شق بطن رجلٍ فإنه لا يقتص منه على المذهب، والصحيح أنه يقتص منه” انتهى من الشرح الممتع (14/ 86).

 

فمن قطع خصية غيره، اقتص منه، إذا أُمن إصابة الأخرى.

ومن أذهب منفعة الخصية، ولم يقطعها، فإن القصاص منه يكون بإذهاب المنفعة ، بوسيلة لا تؤدي إلى الحيف.

قال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله في شرح قول صاحب الزاد: “فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ، وَالأْنْفُ، وَالأْذُنُ، وَالسِّنُّ، وَالْجَفْنُ، وَالشَّفَةُ، وَالْيَدُ، وَالرِّجْلُ، وَالإْصْبَعُ، وَالْكَفُّ، وَالْمِرْفَقُ، وَالذَّكَرُ، وَالْخِصْيَةُ، وَالأَلْيَةُ، وَالشُّفْرُ، كُلُّ واحدٍ مِنْ ذلِكَ بِمِثْلِهِ” :

“إذا جنى الجاني على عين المجني عليه ، فقلع العين كلها، قلعت عينه ، كما قلع عين المجني عليه، بشرط أن يؤمن الحيف، على تفصيل سيذكره المصنف رحمه الله في الشروط.

ولو أنه ضربه ضربة أذهبت منفعة العين ، وأبقت العين، مثل اللطمة، ففي هذه الحالة يفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه .

ومن العلماء من قال: يلطم، فإن ذهب نور بصره حصل العدل، وإن لم يذهب نور بصره أذهب هذا النور بالعلاج، فيقطر في عينه من الدواء ما يذهب نور البصر، كما أذهب نور بصر غيره. وهذه المسألة فيها قضاء عن الصحابة ، وشبه إجماع؛ لأنه لم يخالف فيها أحد .

وحاصله: أن عثمان رضي الله عنه كان عنده مولى، فجاء رجل من الأعراب بجلَب إلى السوق يريد أن يبيعه، فأخذ وأعطى مع هذا المولى، وكان المولى شديداً، فوقعت بينهما خصومة، فقام المولى وضرب الأعرابي ضربة أذهبت نور عينه، وأضرت بالمنفعة والعين قائمة، فوصل الخبر إلى عثمان رضي الله عنه، فنادى الأعرابي، وعرض عليه أن يعطيه ضعف الدية حتى يسامح ويتنازل، فأصر الرجل على حقه، فلما أصر على حقه رفعهما إلى علي رضي الله عنه، فأمر علي أن تحمى حديدة فأحميت، وأمر أن تكف العين الثانية التي هي خارج الجناية وأن تستر، ثم وضع الحديدة أمام العين حتى سالت وذهب بصرها، ففعل به مثلما فعل بالجاني من إذهاب بصره.

وهذا الفعل من علي رضي الله عنه شبه إجماع ، لم ينكره أحد من الصحابة، وهو خليفة راشد وبمحضر عثمان رضي الله عنه، وفي حال حياته، ولم ينكره أحد.

ولذلك فبعض الفقهاء يقول: إنه إذا لطمه وأذهب بصر العين فإنه لا يلطمه؛ لأن اللطم لا يؤمن معه الحيف، واللطمة عن اللطمة تختلف، ولا نستطيع أن نضبط اللطمة بقدر تتحقق به المساواة، فقالوا: في هذه الحالة ذهاب المنفعة، فنذهب منفعة عينه كما أذهب منفعة عين أخيه.

فمنهم من قال بالدواء، مثلما ذكر بعض الأئمة من تقطير الكافور ونحوه مما يذهب البصر، ولكن يشترط إذا عُولجت العين بالدواء ألا يؤذي هذا الدواء داخل البدن؛ لأنه زيادة على الجناية فلا يجوز. وفعل علي رضي الله عنه أخرج الأمر عن الإشكال؛ لأنه جاء بالحديدة محماة ثم وضعت أمام العين حتى سالت وذهب نور الإبصار فيها، وما أحرق بها العين، وحينئذٍ تلافى الضرر بتقطير الدواء؛ لأن تقطير الدواء لا يؤمن معه الضرر كما لا يخفى.

وعلى هذا انعقدت كلمة الصحابة رضي الله عنهم، فإنه لا يعرف مخالف لـعلي رضي الله عنه في هذا، ولـعثمان في سكوته على هذا القضاء.

ويستوي في ذلك أن تكون العين المجني عليها قوية الإبصار والجانية ضعيفة، أو العكس، فتؤخذ العين قوية الإبصار بالعين الضعيفة، ما دام أنه يبصر بها، ومنفعة الإبصار موجودة، فتؤخذ منفعة عينه كما أخذ منفعة عين أخيه، هذا بالنسبة للعين”.

وقال:

” (والخصية) كذلك ، لو أنه جنى على خصيته، فإذا جنى على خصيته فقطعها ، قطعنا منه مثلما قطع .

وهذا كله بشرط أمن الحيف، أي: أن يكون القطع بطريقة يمكن أن يقتص منه فيها، ولا تكون هناك زيادة عند القصاص، أما إذا لم تؤمن الزيادة فلا، وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى في الشروط.

ولو جنى عليه جناية في خصيته عطلت منافعه فأصبح عقيماً، فيفعل به مثلما فعل بالمجني عليه ، إذا أمكن ذلك ، وأمن الحيف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله القصاص) .

وكذلك لو اعتدى عليه فعطل منفعة الذكر ، فأصبح لا ينتشر، فيفعل به من الدواء ما يمنع انتشار ذكره، فيستعمل منه مثلما استعمل من أخيه” انتهى من “شرح زاد المستقنع.

 

ثانيا:

لا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة الحاكم ، أو من ينوب عنه.

قال في مطالب أولي النهى (6/ 50): ((ويحرم استيفاء قوَد بلا حضرة سلطان أو نائبه) لافتقاره الى اجتهاد ، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفي .

(وله)؛ أي: الإمام أو نائبه (تعزير مخالف) اقتص بغير حضوره؛ لافتئاته بفعل ما وقع منه) انتهى.

 

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (قوله: «لا يستوفى قصاص» أي: من الجاني.

قوله: «إلا بحضرة سلطان» السلطان هو الرئيس الأعلى للدولة.

قوله: «أو نائبه» أي: من ينوب عنه عادة في هذه الأمور، والذي ينوب عنه في عصرنا هو الأمير، فالأمير نائب عن أمير المنطقة، وأمير المنطقة نائب عن وزير الداخلية، ووزير الداخلية نائب عن الرئيس الأعلى للدولة.

فالنائب المباشر لا بد من حضوره، فإن اقتص بدون حضوره فإن القصاص نافذ، ولكن يعزر من اقتص؛ لافتياته على الإمام، وإنما منع القصاص إلا بحضرة السلطان، أو نائبه؛ خوفا من العدوان؛ لأن أولياء المقتول قد امتلأت قلوبهم غيظا على القاتل، فإذا قدم للقتل بدون حضور السلطان أو نائبه ، فربما يعتدون عليه بالتمثيل، أو بسوء القتل، أو بغير ذلك، وهذا أمر لا يجوز …

وقوله: «قصاص» : عام ؛ يشمل القصاص في النفس فما دونها، فيدخل فيه القصاص في اليد، أو الرجل، أو اللسان، أو ما أشبه ذلك، فلا يستوفى إلا بحضرة الإمام أو نائبه) انتهى من الشرح الممتع (14/ 54).

 

والله أعلم.

Category: Uncategorized