شبهة حول مآل الكفار يوم القيامة

السؤال : من المعلوم من الدين بالضرورة أن الكفار والمشركين ومن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب لا يدخلون الجنة والشبهة في قوله تعالي : (لا يدخلون الجنة حتي يلج الجمل في سم الخياط) وهنا يقول القائل للشبهة أليس الله على كل شيء قدير وقادر أن يجعل الجمل يلج سم الخياط وأن يكون كالذرة وهنا يدخلون ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) الأعراف (40).

من المعلوم أن القرآن نزل بلغة العرب، فيجب أن تفهم معانيه وفق ما تقتضيه قواعد وقوانين هذه اللغة.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

” ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب.

والمعرفة بناسخ كتاب الله، ومنسوخة، والفرض في تنزيله، والأدب، والإرشاد، والإباحة …

وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه، وتفرقها. ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها.

فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة: نصيحة للمسلمين. والنصيحة لهم فرض، لا ينبغي تركه، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه، وترك موضع حظه ” انتهى. “الرسالة” (ص 40 – 50).

فقوله تعالى: ( وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ).

هذه الجملة يجب أن تفهم على سنن العرب في كلامها أثناء نزول القرآن، ولا يجوز أن تأوّل على معنى لا تحتمله هذه اللغة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

” قال العلماء كل متأول : معذور بتأويله ، ليس بآثم ؛ إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب ، وكان له وجه في العلم ” انتهى، من “فتح الباري” (12 / 304).

وهذه الجملة على سنن العرب في كلامها تعني بها استحالة الوقوع، لأن الله تعالى سنّ في خلقه استحالة دخول الجمل في ثقب الإبرة.

قال السمعاني رحمه الله تعالى:

” والمراد بالآية: تأكيد منع دخولهم الجنة، وذلك سائر في كلام العرب، وهو مثل قولهم: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب، وحتى يبيض القار، وقال الشاعر:

إذا شاب الغراب أتيت أهلي … وصار القار كاللبن الحليب

والقار والقير: شيء أسود، يضرب به المثل، يقال: شيء كالقير والقار في السواد ” انتهى. “تفسير السمعاني” (2 / 182).

وهذا المعنى تؤكده كثير من نصوص الوحي كقوله تعالى: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) المائدة (72).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

” وقوله عن أهل النار ( وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ ) وهو البعير المعروف ( فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) أي: حتى يدخل البعير الذي هو من أكبر الحيوانات جسما، في خرق الإبرة، الذي هو من أضيق الأشياء، وهذا من باب تعليق الشيء بالمحال، أي: فكما أنه محال دخول الجمل في سم الخياط، فكذلك المكذبون بآيات الله محال دخولهم الجنة، قال تعالى: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ )، وقال هنا ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) أي: الذين كثر إجرامهم واشتد طغيانهم ” انتهى. “تفسير السعدي” (ص 288 – 289).

ومن يقل: ” أليس الله على كل شيء قدير وقادر ان يجعل الجمل يلج سم الخياط وان يكون كالذرة وهنا يدخلون “.

فهذا القول مع كونه جهلا بمعاني كلام الله جل جلاله ، وغبائه عن وجه الحكمة فيه ؛ إنما هو من اللغو والعبث؛ لأنه يبطل معنى الآية أصلا، ويبطل أيضا كل نصوص الوحي التي تخبر بأن مآل الكافرين إلى النار خالدين فيها؛ كقوله تعالى:

 ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) البينة (6).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) رواه مسلم (153).

والله أعلم 

Category: Uncategorized