صحتك قبل مرضك

أذكر جيدا حين دخلت عليه زائرا .. ولم يخطر ببالي يوما أن أكون في مكانه، ظننت أن الناس وحدهم من يمرضون، حتى وجدت نفسي محاطا بمجموعة من الأسرة البيضاء عليها وجوه شاحبة أفقدها المرض الأمل في الحياة. لم أصدق أني سألازم هذا الفراش التعيس إلى أجل غير مسمى ، لكنها الحقيقة… قضيت أيامي الأولى أتذكر أيام عافيتي، أيام كنت آكل ما أريد و أشرب ما أريد، وأسافر حيثما أريد، لم أكن أدرك أن هذه الأمور تعد من أمنيات بعض الناس وهي من فضل الله ونعمه علينا، بل كنت أظن أن النعم محصورة في المال والمركب والمسكن. وبدأ الملل يطاردني فتعرفت على بعض المرضى الذين كانوا يشاركونني نفس الغرفة ونفس المرض، حتى صرنا وكأننا أسرة واحدة نقضي الليل نستأنس بذكريات من زمن فات، لعلها تنسينا الآلام والملل الذي يقض المضجع، لكن هذه الأسرة وكأنها شجرة أتى عليها الخريف، تتساقط أوراقها يوما بعد يوم. أجل، كم كان يؤلمني أن أستيقظ وأجد سرير أحد المرضى فارغا فأسأل عنه فيقال لي لقد مات، كنت أشعر بخوف شديد ورهبة تنذر باقتراب الأجل.. كان الزوار يحاولون إقناعي بأني سأخرج بعد أيام سالما معافى وأعود لأمارس حياتي كما كنت، ولكن كيف أصدقهم وقد كان بالأمس عن يميني مريض أصغر مني سنا وقد رحل عن الدنيا، وعن شمالي آخر يكبرني قليلا وقد رحل أيضا، وأنا لست أفضل حالا منهم وقد رق عظمي ويبست شفتاي وغارت عيناي حتى صرت أبدوا كعجوز في أرذل العمر.. تقلصت أمنياتي، فصرت أتمنى أن أمشي على رجلي و أشم هواء غير هواء المستشفى، بل صرت أتمنى أن أعيش فقط ! وكل ذلك كنت أملكه قبل أيام.. مرت الأيام وقل الزوار الذين كانوا يتعاقبون علي في بداية المرض، ربما ملوا مني، بل سمعت البعض يتمنون لي الموت شفقة على حالي الذي صار ينذر باقتراب يوم الرحيل .. ليس عندي أدنى شك بأني لو دعوت ربي لاستجاب لي وفرج عني.. ليس بسبب إيماني ولا أعمالي ولا تقواي… إنما وعده جل في علاه “أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ” وأنا بلغت من الاضطرار المنتهى.. ولكنه الخوف والوجل من أن يصدق علي قوله تعالى: ” ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ” فاللهم فرج عني يا جبار السماوات والأرض، وثبت قلبي على دينك ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين . هذا لسان حال من فاجأه المرض وحال بينه وبين متمنياته.. فاغتنم خمسا قبل خمس ( صحتك قبل مرضك) قبل أن تعاين البلاء فتقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت .. وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين . كتبه : مراد العروسني
التصنيف: غير مصنف