صدم ابنه شخصاً فمات ، فهل يجوز أن يطلب من القاضي أن يحمّله دية الخطأ بدلا عن ابنه ؟

السؤال : قام ابنى 16سنة بقيادة سيارتى ، وصدم أحد الأشخاص ، وتوفى المصدوم ـ رحمة الله عليه ـ وقيدت له قضية ، فهل لى أن أطلب من القاضى تحميلى الدية نيابة عن ابنى ، وتقسطيها على ثلاث سنوات ، حيث إن دخلى محدود ، ولا أستطيع دفعها دفعة واحدة ؟

الجواب:

الحمد لله

أولا :

من ارتكب حادثا بالسيارة وقتل مسلمًا ، فهذا القتل يعرف في الشرع بأنه “قتل خطأ” ؛ أي أن القاتل لم يقصد الجناية ، ولا القتل .

 

وقتل الخطأ يجب به شيئان : الكفارة والدية .

قال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا ) ثم قال تعالى : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) النساء/92 .

فالكفارة هي عتق رقبة مؤمنة ، فمن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين .

والكفارة واجبة على القاتل ، فإن كان له مال وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة ، وإن لم يكن له مال ، أو لم يجد رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين .

وأما الدية فلا تجب على القاتل ، وإنما تجب على عاقلته ، وهم عصبته ، أي : أقاربه الذكور من جهة الأب ، كالأب والجد والابن والإخوة وأبنائهم والأعمام وأبنائهم ..

وعلى هذا أجمع أهل العلم ، وليس على القاتل منها شيء ، فيكفيه أن عليه الكفارة .

قال ابن قدامة رحمه الله :

“وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .

وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَضَى بِدِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ .

وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ عَمْدِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ .

وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ ، وَدِيَةَ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ إيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ ، عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ ، وَالْإِعَانَةِ لَهُ ، تَخْفِيفًا عَنْهُ ، إذْ كَانَ مَعْذُورًا فِي فِعْلِهِ ، وَيَنْفَرِدُ هُوَ بِالْكَفَّارَةِ …

وَلَا يَلْزَمُ الْقَاتِلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .

لمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَضَى بِجَمِيعِهَا عَلَيْهِمْ …

وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ الْقَاتِلَ فِي مَالِهِ ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إيجَابِ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَيْهِ” انتهى من “المغني” (12/21، 22) .

 

فإذا تعذر أخذ الدية من العاقلة ، لكونهم فقراء لا يستطيعون دفع الدية ، أو لكون القاتل لا عاقلة له .. أو لغير ذلك من الأسباب ، فإن بيت المال هو الذي يتحمل الدية ، حتى لا يضيع دم المسلم المقتول هدرا .

 

فإذا تعذر أخذ الدية من بيت المال ، فمذهب الحنابلة أنها تسقط ، ولا يطالب القاتل بشيء .  واختار بعضهم كابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية أنها تكون على القاتل ، وهو ما يأخذ به القضاء في بلاد الحرمين الشريفين ، وينظر في ذلك السؤال رقم (135380) .

 

ثانيا :

إذا ثبتت ذلك ؛ فإنه يجوز لأي شخص أن يضمن تلك الدية لأولياء القتيل .

لأن ضمان الحقوق المالية الثابتة : جائز ، بإجماع العلماء .

ينظر : بداية المجتهد (2/352) ، الشرح الكبير (13/6) .

 

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : “مثال التزام ما وجب: أن يكون شخص مديناً لآخر بدراهم فيمسكه صاحب الدين، ويقول: أعطني ديني الآن، وإلا رفعت أمرك إلى السلطات، فيأتي إنسان من أهل الخير ويقول: أنا أضمن دَيْنه” انتهى من “الشرح الممتع” (9/182) .

 

وعلى ذلك : فالأصل ألا تتحمل أنت الدية عن ابنك بمفردك ؛ بل تتحملها عصبتك معك .

فإن لم يمكن تحميل العصبة ، لسبب أو لآخر ، واستقرت الدية في ذمة ابنك : فيجوز لك أن تضمن لأولياء القتيل الدية التي على ابنك ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم .

 

ولكن هذا الضمان لا يبرئ ذمة المضمون عنه (الجاني) بل يكون الحق متعلقا بذمتيكما معا .

قال المرداوي في “الإنصاف” (13/7) :

“ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما ، بلا نزاع ، وله مطالبتهما معا أيضا ، ذكره الشيخ تقي الدين (ابن تيمية) وغيره” انتهى .

 

ثالثا :

أما تأجيل الدية إلى ثلاث سنين ، فهو جائز ، بل هذا هو الأصل في دية الخطأ ، أنها تكون مؤجلة في ثلاث سنين .

قال ابن قدامة رحمه الله : “ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين ، فإن عمر وعليا رضي الله عنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين ، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا ، واتبعهم على ذلك أهل العلم” انتهى .

 

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في فتوى له عن صبي قتل آخر بالبندقية : ” وتجب دية القتل على عاقلة هذا الصبي القاتل ، دية الخطأ، مؤجلة ثلاثة أعوام، يدفعون عند رأس كل عام ثلثها، إذا كانوا موسرين” انتهى من “فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم” (11/220) .

 

وقال أيضا (11/291) : “ومعلوم أن دية الخطأ على عاقلة الجاني مؤجلة في ثلاثة سنين” انتهى .

وسئل الشيخ ابن جبرين رحمه الله :

لقد حصل على أخينا حادث انقلاب سيارة، وقد توفي بعض من كان معه بالسيارة وجرح البعض، وقد حُكم علينا بتسديد الديات الشرعية في كل متوفى وأرش الجرحى، ونحن ناس فقراء ومعسرون، وقد عجزنا عن تسديد المبلغ المحكوم به علينا، وأغلب المحسنين يريدون معرفة هل الزكاة جائزة لنا؟ وهل نحن من أهلها نظراً لظروفنا؟

الجواب:-

هذه الديات عن قتل خطأ ، فتحملها العاقلة الذين هم أقارب القاتل، وتؤجل عليهم ثلاث سنين، ولا يجوز الحكم بغير هذا .

فإن كان جميع العاقلة فقراء لا يقدرون على الدفع مع التأجيل، حلت لهم الزكاة، وكذا إن لم يكن هناك عاقلة وحملها الجاني، وتبين فقره، حلت له الزكاة…

http://cms.ibn-jebreen.com/fatwa/home/section/1965

 

والله أعلم .

Category: Uncategorized