ضرب شخصا فأفقده منفعة الجماع، فهل يقتص منه؟

السؤال : إذا قام شخص بضرب آخر في خصيتيه حتي أفقده الشهوة ، والقدرة على الإنجاب تماما ، فهل يقتص منه في حالة كان أحد الوالدين ؟ وفي حالة لم يكن منهما ؟ وفي حالة اشترك الغريب مع أحد الوالدين ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

يجب أولا النظر إلى هذه الجناية هل هي على وجه التعمد أو لا؟

فإن كانت وقعت عمدا وعدوانا من الجاني أو الجناة، فالأصل في الجنايات المتعمدة أن يقتص من الفاعلين لها ما أمكن ذلك.

قال الله تعالى:

( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) المائدة (45).

وعن أَنَس: ( أَنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ، وَطَلَبُوا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُمْ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ. فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا ) رواه البخاري (2703) ومسلم (1675).

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

” وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن، ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص، فكان كالنفس في وجوبه ” انتهى، من “المغني” (11 / 531).

 

لكن من شرط القصاص في الجناية على ما دون النفس، أن يمكن تحققها من غير حيف ولا تجاوز لمقدار الجناية.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

” ويشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء: …

الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة؛ لأن الله تعالى قال: ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ). وقال: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ).

ولأن دم الجاني معصوم إلا في قدر جنايته، فما زاد عليها يبقى على العصمة، فيحرم استيفاؤه بعد الجناية، كتحريمه قبلها، ومن ضرورة المنع من الزيادة، المنع من القصاص؛ لأنها من لوازمه، فلا يمكن المنع منها إلا بالمنع منه. وهذا لا خلاف فيه نعلمه” انتهى، من “المغني” (11 / 531 – 532).

 

وبناء على هذا الشرط، اختلف أهل العلم في جناية رضّ الخصيتين حتى تذهب منفعتهما؛ هل يمكن القصاص فيها أو لا؟

جاء في “الموسوعة الفقهية الكويتية” (19 / 123):

” ولو دق خصييه ففي التهذيب أنه يقتص بمثله إن أمكن، وإلا وجبت الدية.

ويرى المالكية أنه لا يقتص في الرض، قال أشهب: إن قطعت الأنثيان أو أخرجتا: ففيهما القود ، لا في رضهما، لأنه قد يؤدي إلى التلف ، لعدم الانضباط في القصاص.

أما الحنفية فقد جاء في الفتاوى الهندية نقلا عن الفتاوى الظهيرية، أنه ليس في الكتب الظاهرة نص يدل على وجوب القصاص في قطع الأنثيين حالة العمد، ويقول الكاساني: ينبغي أن لا يجب القصاص فيهما، حيث ليس لهما مفصل معلوم فلا يمكن استيفاء المثل .

وإذا سقط القصاص لعدم توافر أي شرط من شروطه، تجب الدية في الأنثيين ” انتهى.

 

والمرجع إلى أهل الاختصاص من الأطباء ونحوهم في معرفة إمكان القصاص من عدمه.

قال الشيخ صالح اللاحم:

” ويتضح من خلال ما ذكر من كلام الفقهاء أن القصاص يدور مع الإمكان وعدمه، وإذا كان كذلك ، فإنه يرجع فيه إلى قول المختصين بهذا الشأن، وهم الأطباء والجراحين فإن قالوا: يمكن، وعلى وجه المماثلة، كان له القصاص، وإلا فلا. ” انتهى، من “الجناية على ما دون النفس” (ص 174).

 

ثانيا:

إذا كانت هناك إمكانية للقصاص، اقتص من الجاني بالمثل، إلا إذا كان الجاني هو الوالد، ففي هذه الحالة فجمهور أهل العلم على أنه لا يقتص منه، واستدلوا بحديث عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ ) رواه الترمذي (1400).

وهذا حديث مختلف في صحته، لكن العمل جرى عليه عند أهل العلم.

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

” وكذلك روي قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقاد والد بولد ) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن حديث عمر بن الخطاب أيضا، ومن حديث ابن عباس، وهو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به ، عن الإسناد فيه ، حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفا ” انتهى، من “التمهيد” (23 / 436 – 437).

 

وخالف بعض أهل العلم، فقالوا إنه يقتص منه ، لعموم أدلة القصاص، فإنها تتناول الوالد الجاني، وضعفوا الأحاديث التي تستثني الوالد.

قال ابن المنذر رحمه الله تعالى:

” اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عامداً.

فقالت طائفة: لا قود عليه، وعليه ديته، هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.

وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد.

وقال مالك، وابن نافع، وابن عبد الحكم: يقتل به.

قال أبو بكر: وهكذا نقول، لظاهر الكتاب والسنة.

فأما ظاهر الكتاب فقوله عز وجل: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ).

والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال: ( المؤمنون تكافأ دماؤهم ).

ولا نعلم خبراً ثابتاً يوجب استثناء الأب من جملة الآية.

وقد روينا فيه أخباراً غير ثابتة ” انتهى، من “الاشراف” (7 / 351 – 352).

 

وهذا الخلاف في القصاص من الوالد في جناية القتل ، يتناول أيضا ما دون القتل من الجنايات.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

” كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس، جرى القصاص بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم.

ومن لا يقتل بقتله، لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد، ولا والد بولد. وبهذا قال مالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر. ” انتهى، من “المغني” (11 / 501).

 

ثالثا:

إذا كان هناك اشتراك في الجناية، ففي الاقتصاص منهم جميعهم خلاف بين أهل العلم، فذهب الجمهور من أهل العلم إلى الاقتصاص منهم جميعهم.

وعقد البخاري رحمه الله تعالى في “صحيحه” بابا: ” بَابُ إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ، هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ؟

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

” وقوله: ” أو يقتص منهم كلهم ” أي: إذا قتل أو جرح جماعة شخصا واحدا ، هل يجب القصاص على الجميع ، أو يتعين واحد ليقتص منه ، ويؤخذ من الباقين الدية، فالمراد بالمعاقبة هنا المكافأة …

وحجة الجمهور أن النفس لا تتبعض ، فلا يكون زهوقها بفعل بعض دون بعض ، وكان كل منهم قاتلا، ومثله لو اشتركوا في رفع حجر على رجل فقتله ، كان كل واحد منهم رفع، بخلاف ما لو اشتركوا في أكل رغيف فإن الرغيف يتبعض حسا ” انتهى، من “فتح الباري” (12 / 227).

 

واستدل البخاري للقصاص بقضاء الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

فقال: ” وَقَالَ مُطَرِّفٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ، فَقَطَعَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ وَقَالاَ: أَخْطَأْنَا، فَأَبْطَلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأُخِذَا بِدِيَةِ الأَوَّلِ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا “.

واستدل له أيضا بحديث عَائِشَة، أنها قالت: ( لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: لاَ تَلُدُّونِي.

قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ.

فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي! قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ، إِلَّا العَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) رواه البخاري (6897).

قال الشيخ عبد الله بن معتق السهلي:

” واختلفوا في حكم القصاص من الجماعة ممن توفرت فيهم شروط القصاص ، إذا اشتركوا في الجناية على شخص واحد ، بجرح أو قطع عضو ، ونحو ذلك . على قولين:

القول الأول: أنه يقتص منهم جميعا.

وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة في المذهب.

واتفق أصحاب هذا القول على أن شرط وجوب القصاص عليهم في هذه الحالة: هو اشتراكهم في اقتراف هذه الجناية دفعة واحدة، على وجه لا يتميز فعل أحدهم عن فعل صاحبه، كأن يشهدوا بما يوجب قطع يده، ثم يرجعوا عن شهادتهم، ويقولوا تعمدنا ذلك، أو يلقوا صخرة على شخص، فتقطع طرفه، ونحو ذلك .

بخلاف ما لو قطع كل واحد منهم عضو المجني عليه من جانب، فلا يجب القصاص حينئذ؛ لأن جناية كل واحد منهم في بعض العضو، فلا يجوز أن يقتص منه في جميع العضو.

القول الثاني: أنه لا يقتص من أحدهم، وإنما عليهم دية الجناية بالسوية.

وبه قال الحسن البصري والزهري والثوري. وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية ” انتهى، من “الاشتراك المتعمد في الجناية على النفس بالقتل أو الجرح” (ص 387).

 

لكن إذا كان من ضمن الجناة والد المجني عليه، فعلى القول بسقوط القصاص عن الوالد كما هو مذهب جمهور أهل العلم، فإنه في هذه الحالة اختلف أهل العلم؛ هل يقتص من المشاركين له أو لا؟

قال الشيخ صالح اللاحم:

” إذا اشترك الأب وأجنبي في الجناية على ولده.

فلأهل العلم في وجوب القود على الشريك قولان:

القول الأول: وجوب القصاص.

ذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب؛ لأنه مشارك في العمد العدوان، فوجب عليه القصاص، كما لو لم يشاركه غيره، أو كان المشارك ممن يجب عليه القصاص، ولأن سبب الوجوب، وجد من كل منهما، وهو الفعل العمد العدوان، إلا أنه امتنع الوجوب عن أحدهما لمعنى يخصه، فيجب القصاص على الآخر، لعدم ما يقتضي المنع.

القول الثاني: أنه لا يجب القصاص على شريك الأب.

ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد في رواية عنه؛ لأنه فعل مركب من فعلين، موجب وغير موجب ، فلم يكن موجبا للقصاص، قياسا على الجناية المشتركة بين الخاطئ، والمتعمد، والصبي والبالغ ” انتهى، من “الجناية على ما دون النفس” (ص 85 – 86).

 

رابعا:

الحاصل؛ أن القصاص في هذه الجناية يتجاذبها الخلاف من عدة نواح، والأمر في الترجيح يعود للقاضي الذي يقضي فيها، لأن مسائل القصاص مردها لولي الأمر وليس للأفراد.

 

وفي حال قضى القاضي في هذا العمد بعدم القصاص، يُنتقل إلى الديّة فيجب على الجاني أو الجناة إعطاء الديّة من مالهم.

جاء في “الموسوعة الفقهية الكويتية” (21 / 90):

” أما إذا كانت الجناية عمدا، وسقط القصاص بشبهة أو نحوها، أو ثبتت باعتراف الجاني، أو الصلح : فإن الدية تجب في مال الجاني نفسه؛ لأنها دية مغلظة، ومن وجوه التغليظ في العمد : وجوب الدية على الجاني نفسه ، كما سبق ” انتهى.

 

وحتى إذا كان الجاني هو الوالد، فإنه يدفع الديّة؛ لأنه لا يُعلم من نصوص الشرع ما يستثنيه، ويتأكد الحكم بما رواه ابن ماجه (2646). والإمام مالك في “الموطأ” (5 / 1273)، وصححه الألباني في “ارواء الغليل” (7 / 272): بأن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أخذ الدية من والد قتل ولده.

 

خامسا:

أما إذا كانت هذه الجناية على وجه الخطأ ومن غير تعمد،  فهذه الحالة لا قصاص فيها.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

” ويشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون عمدا محضا، فأما الخطأ: فلا قصاص فيه إجماعا، لأن الخطأ لا يوجب القصاص في النفس، وهي الأصل، ففيما دونها أولى ” انتهى، من “المغني” (11 / 531).

 

وإنما تجب في هذا الخطأ الديّة.

ورد في “الموسوعة الفقهية الكويتية” (21 / 82):

” صرح الفقهاء بأنه تجب الدية الكاملة بالجناية على قوة الجماع ، إذا عجز عنه كاملا بإفساد إنعاظه، ولو مع بقاء المني وسلامة الصلب والذكر، أو انقطع ماؤه، سواء أكان بالضرب على الصلب أو غير ذلك؛ لأن الجماع منفعة مقصودة، تتعلق به مصالح جمة، فإذا فات : وجب به دية كاملة. وكذلك بانقطاع الماء يفوت جنس المنفعة من التوالد والتناسل ” انتهى.

 

وإذا وجبت الديّة : فإنها تكون على عاقلة هؤلاء المخطئين.

والعاقلة: هم أقرباء الجاني من جهة الأب كالأخوة وأبنائهم والأعمام وأبنائهم.

وتكون الديّة مستحقة لهذا الولد المجني عليه.

ورد في “الموسوعة الفقهية الكويتية” (21 / 93):

” لا خلاف بين الفقهاء في أن المستحق للدية في الجناية على ما دون النفس ، أي قطع الأطراف وإزالة المعاني : هو المجني عليه نفسه، إذ هو المتضرر، فله أن يطالب بالدية، وله حق الإبراء والعفو عنها.

وإذا عفا عن الدية فليس للأولياء المطالبة بشيء ، إذا لم تسر الجناية إلى النفس.” انتهى.

 

والله أعلم.

Category: Uncategorized