قال قائل : ( من ظن أن الحياة ستقف عند أحد فليستعذ بالله) ، وقال ( مات النبي وكانت الفتوحات )، فما حكم هذه المقولة ؟

الجواب :
الحمد لله
على المسلم أن يراعي الأدب في خطابه ، وألا يتجاوز حدوده بما يسبق إليه لسانه ، فإن أكثر خطايا ابن آدم من لسانه ، وهو الذي يورده موارد الهلكة .
وقول القائل : ” من ظن أن الحياة ستقف عند أحد فليستعذ بالله ” هو في ظاهره صواب ، فالحياة لا تتوقف على الناس ، ولكن الناس لهم آجال ولهم أعمال ، ولكل أجل كتاب ، ولكل عامل حظه من عمله ، وتجري الأمور بمقاديرها التي قدرها الله قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة .
ولا تتوقف الحياة على حياة أحد من الناس أو موته ، ولكن الله تعالى يسخر للناس من أهل الصلاح والتقوى من تستقيم على يديه الأمور ، فيسلك بالناس مسالك الهدى ، فيبارك الله لهم ، ويحيون حياة طيبة .
وقد يبتليهم – بذنوبهم – بمن لا يتقي الله فيهم ، فتقع به الفتن ، وتضطرب به الأحوال .
وقول القائل ” مات النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كانت الفتوحات ” إن قصد بذلك غمز جناب النبوة ، والاستهانة بمقام الرسالة : فلاشك في ضلاله ، بل لا شك في كفره .
وإن قصد أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم في الناس كعدم وجوده فيهم : فلا شك في ضلاله أيضا ؛ فقد قال الله تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الأنفال/ 33 .
وروى الحاكم (198) بسند صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” كَانَ فِيكُمْ أَمَانَانِ: مَضَتْ إِحْدَاهُمَا، وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) “
وروى مسلم (2531) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ)
قال النووي رحمه الله :
” (فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ) أَيْ: مِنَ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ وَارْتِدَادِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْأَعْرَابِ وَاخْتِلَافِ الْقُلُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَنْذَرَ بِهِ صَرِيحًا، وَقَدْ وَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ ” .
انتهى من ” شرح النووي على مسلم ” (16/ 83)
وإنما كانت الفتوحات بعده صلى الله عليه وسلم ببركة اتباعه ، وإعلاء دينه، والقيام بأمره من بعده .
وأما إن كان مراد القائل : أن سنن الله جل جلاله في كونه ماضية ، لا تتبدل ، ولا تتحول ، وأن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ، ولا لحياته ، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، وأن نظام الكون لا يختل ، وعقده لا ينفرط ، لأجل أن الله قضى على عبد من عباده الموت ، حتى ولو كان رسوله الأمين ، وإنما تمضي سنن الكون لما أراد الله به ، ويمضي أمره إلى أن يشاء جل جلاله فهذا كله معنى صحيح ، مقرر ، وبهذا جاء كتاب الله وسنة رسوله بينة واضحة .
لكن الذي يجب أن يؤسس على ذلك المعنى الصحيح : أن أمر الله لعباده بعبادته وطاعته وتوحيده : ماض فيهم ، وحجته قائمة عليهم ، وعذرهم مرفوع عند ربهم ، ما دامت الرسالة قد بلغتهم ، والشريعة بين أيديهم ، حتى لو فقدوا شخص رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران/143-148 .

مع أن هذا المعنى الصحيح الذي قررناه ، يجب أن يذكر للناس ، ويقرر لهم ، بما جاء كتاب الله ، وسنة رسوله ، وبما يظهر معناه للسامع ، من غير إطلاق العبارات الموهمة المحتملة ، كما جاء في السؤال ؛ فإن الألفاظ الموهمة المجملة : لا يحل استعمالها ، حتى ولو لمعنى صحيح ، وكم يخشى على قائل هذا الكلام ، أو سامعه : أن يتجرأ على مقام رسول الله على صلى الله عليه وسلم ، أو يتقحم جنابه ، فيقع في ورطة لا منجاة منها ، وقد جعل الله له في أمره سعة وفرجة ، وفي الطريق المستقيم الواضح غنية ؛ فماله ولبنيات الطريق ، وللمشتبهات ، والمشكلات ؛ فدع ما يريبك لما يربك ، واستبرئ لدينك وعرضك ـ يا عبد الله ـ بترك ما اشتبه عليك .

والله أعلم .

Category: Uncategorized