كشف فرية من وصف شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه كان يمثل صفات الله بصفات خلقه ؟


الجواب :
الحمد لله
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (المتوفي سنة 728 ه) هو أحد مجددي هذا الدين ، وأحد أعلام أهل السنة الكبار ، كم تعلمت الأجيال عقيدة أهل السنة والجماعة من كتبه ، وتخرج على كتبه كبار علماء أهل السنة في عصور متعاقبة ، ولا تزال يتخرج عليها الأجيال .
وقد قرر عقيدة أهل السنة والجماعة في عامة كتبه ، وكان مما ذكره في عشرات المواضع أن مذهب سلف الأئمة في أسماء الله تعالى وصفاته ، هو إثباتها ، بلا تمثيل .
انظر : ” الجواب الصحيح ” (1/71) ، ” الرسالة التدمرية ” (ص 5) ، ” درء التعارض “(2/409) ، ” منهاج السنة “(2/523) ، ” جامع المسائل ” (3/208) ، ” مجموع الفتاوى ” (8/432) .
وقد ذكر في العقيدة الواسطية ، وهو أحد أشهر كتبه المؤلفة في العقيدة ودارت بينه وبين خصومه عدة مناظرات بسبب ما ذكره في هذا الكتاب لم يُغلب في أي منها ، قال فيه ما نصه “”أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ – أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ – وَهُوَ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ: خَيْرِهِ وَشَرِّهِ .
وَمِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ : الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ ، وَلَا تَعْطِيلٍ ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ ، وَلَا تَمْثِيلٍ .
بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . فَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَلَا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ ، وَلَا يُكَيِّفُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا سَمِيَّ لَهُ ، وَلَا كُفُوَ لَهُ ، وَلَا نِدَّ لَهُ ، وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” انتهى من ” مجموع فتاوى ” (2/192-193) .
فهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتبه ، وناظر عليه خصومه ، وليس في شيء من كتبه – وما أكثرها – حرف واحد يخالف ذلك ، ولا شيء مما نُسب إليه في هذه الحكاية .
وذلك وحده كافٍ في إثبات كذب هذه القصة واختلاقها ، أضف إلى ذلك أن ابن بطوطة الذي نسب إليه هذه الحكاية لم يجتمع بشيخ الإسلام ولا رآه ولا سمع منه قط ، ففي الوقت الذي دخل فيه ابن بطوطة دمشق كان شيخ الإسلام رحمه الله مسجونا في سجن القلعة ولم يخرج منه إلا محمولا على الأعناق إلى قبره رحمه الله ، مما يجعلنا نقطع ببطلان هذه القصة وكذبها .
وقد يكون هذا الكذب من ابن بطة ، وقد يكون من النساخ الذين نقلوا رحلته ودونوها .
وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد حسده كثير من أعدائه على ما أنعم الله به عليه من الفهم والعقل والدين والشهرة … فكذبوا عليه وافتروا عليه أشياء تشويها لسمعته ، كما يعلم ذلك من قرأ سيرته ، وصدق عليه قول القائل :
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالقوم أعداء له وخصومُ
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسدا وبغيا : إنه لذميمُ
وهذه القصة موجودة في ” رحلة ابن بطوطة ” (1/317) قال : ” حضرته – يعني ابن تيمية – يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به ، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته… ” إلى آخر ما ذكر .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمة ابن بطوطة من كتابه “الدرر الكامنة” (5/ 227):
” قَالَ شَيخنَا أَبُو البركات ابْن البلفيقي: حَدثنَا – يعني ابن بطوطة – بِغَرَائِب مِمَّا رَآهُ ، فَمن ذَلِك أَنه زعم أَنه دخل الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَرَأى فِي كنيستها اثْنَي عشر ألف أَسْقُف ، ثمَّ انْتقل إِلَى العدوة وَدخل بِلَاد السودَان ، ثمَّ استدعاه صَاحب فاس ، وَأمره بتدوين رحلته . انْتهى ، وقرأت بِخَط ابْن مَرْزُوق: أَن أَبَا عبد الله بن جزي نمقها وحررها بِأَمْر السُّلْطَان أبي عنان ، وَكَانَ البلفيقي رَمَاه بِالْكَذِبِ، فبرأه ابْن مَرْزُوق … ” انتهى .
وقد قال ابن جزي في مقدمة الكتاب :
” ونقلت معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها، موضحة للمعاني التي اعتمدها ” .
وقال في آخره : ” انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بطوطة ” انتهى .
فهذا يدل على أن ابن جزي قد تصرف في كلمات وعبارات ابن بطوطة ، مع ما اتهم به من الكذب .
وقد انبرى كثير من العلماء والباحثين للدفاع عن شيخ الإسلام رحمه الله وبيان بطلان هذه القصة.
قال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد رحمه الله في رده على ابن بطوطة :
” وا غوثاه بِاللَّه من هَذَا الكذب الَّذِي لم يَخَفِ اللهَ كاذبُه ، وَلم يستحِ مفتريه وَفِي الحَدِيث : (إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت) ووضوح هَذَا الْكَذِب أظهر من أَن يحْتَاج الى الإطناب، وَالله حسيب هَذَا المفتري الْكذَّاب ، فإنه ذكر أَنه دخل دمشق في 9 رَمَضَان سنة 726 ، وَشَيخ الإسلام ابْن تَيْمِية إذ ذَاك قد حبس فِي القلعة ، كَمَا ذكر ذَلِك الْعلمَاء الثِّقَات كتلميذه الْحَافِظ مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْهَادِي والحافظ أبي الْفرج عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن رَجَب ، قَالَ في تَرْجَمَة الشَّيْخ : مكث الشَّيْخ فِي القلعة من شعْبَان سنة سِتّ وَعشْرين إلى ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَعشْرين. وَزَاد ابْن عبد الْهَادِي أنه دَخلهَا فِي سادس شعْبَان .
فَانْظُر إلى هَذَا المفتري يذكر أنه حَضَره وَهُوَ يعظ النَّاس على مِنْبَر الْجَامِع، فيا ليت شعري هَل انْتقل مِنْبَر الْجَامِع إلى دَاخل قلعة دمشق ؟
وَالْحَال أَن الشَّيْخ رَحمَه الله لما دخل القلعة الْمَذْكُورَة فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور لم يخرج مِنْهَا إلا على النعش، وَكَذَا ذكر الْحَافِظ عماد الدّين ابن كثير فِي تَارِيخه ” .
انتهى من ” توضيح المقاصد” (1/ 498) .
وقال الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي رحمه الله :
” من الجهل الفاضح أو التجاهل والعصبية العمياء ، ما نسبه كثير ممن ادعى العلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر حديث النزول في المسجد الأموي ، وأنه قال: (ينزل ربنا كنزولي هذا) ونزل من على منبر الجامع درجة ، يريدون بذلك أنه مشبه مجسم ، وأخذ يروي المتأخر عن السلف هذه الأكذوبة التي منشؤها ابن بطوطة في رحلته.
فيا سبحان الله! ما أعظم جهل هؤلاء؟ هلا قرؤوا مؤلفات شيخ الإسلام ليروا كيف يرد على هؤلاء المشبهة والمجسمة ، كما يرد على الجهمية والمعتزلة وغيرهم؟
بل ألف شيخ الإسلام شرحًا لحديث النزول ليس فيه أدنى رائحة من التشبيه والتجسي م، بل يقرر في شرحه في عدة مواضع تنزيه اللَّه عن التمثيل ، والشرح مطبوع عدة مرات متداول بين الناس، فمن يشك فيما أقول فليقرأه ولو مرة واحدة ، بل ليقرأ صفحات منه ليعلم كذب أولئك القوم ومبلغ تعصبهم.
فما أدري ما قيمة العالم إذا كان كذابًا مفتريًا ، قال تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) .
وأما تمسكهم بما قاله ابن بطوطة، فالجواب: يحتمل أن الشيخ ابن تيمية قال: (ينزل ربنا لا كنزولي هذا) فلم يسمع ابن بطوطة كلمة (لا) أو سمعها وكتبها، ولكن حرفها النساخ.
هذا إذا أسلمنا أن ابن بطوطة رأى شيخ الإسلام، ولكن قال المحقق بهجت البيطار في كتابه حياة شيخ الإسلام: ” إن ابن بطوطة لم يسمع من ابن تيمية، ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع من رمضان عام ست وعشرين وسبعمائة هجرية.
وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شعبان من ذلك العام، إلى أن توفاه اللَّه ليلة الاثنين لعشرين خلون من ذي القعدة عام ثمان وعشرين وسبعمائة هجرية ، فكيف رآه ابن بطوطة يعظ على منبر الجامع ، وسمعه ؟ ولم يكن يعظ الناس على منبر الجامع -كما زعم ابن بطوطة – وإنما كان يجلس على كرسي يعظ الناس .
على أن ابن بطوطة لم يكتب رحلته بقلمه ، وإنما أملاه على ابن جزي الكلبي ، فيجوز أن يكون ذلك من تحريف النساخ ، أو وسوسة بعض الخصوم . اهـ ” .
انتهى من “نقض كلام المفترين” (ص: 42-45) .
وانظر جواب السؤال رقم : (34810) لفهم حديث النزول الإلهي على عقيدة أهل السنة .
والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized