لماذا انتقل اليهود إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته ؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
كان من علم أهل الكتاب أن نبي ذلك الزمان ، صلى الله عليه وسلم ، الذي يتيقنون خروجه ، ويعلمون وصفه ، لا يخفى عليهم أمره ، ستكون هجرته إلى المدينة ، وكان كثير من أحبارهم يؤمِّلون أن يكون منهم ، فارتحل كثير منهم من بلاد الشام إلى المدينة ، لما يتربصون به من مخرجه ومبعثه .

روى أبو نعيم في “دلائل النبوة” (ص 79) عَنْ أَبِي نَمْلَةَ ، قَالَ : ” كَانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْرُسُونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُتُبِهِمْ ، وَيُعَلِّمُونَ الْوِلْدَانَ بِصِفَتِهِ ، وَاسْمِهِ ، وَمُهَاجَرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا ظَهَرَ حَسَدُوا ، وَبَغُوا ، وَأَنْكَرُوا ” .

وقال ابن إسحاق في “السيرة” (ص 84):
حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال حدثني أشياخ منا قالوا : لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ، كان معنا يهود ، وكانوا أهل كتاب ، وكنا أصحاب وثن ، فكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا : إن نبيا مبعوثاً الآن قد أظل زمانه نتبعه ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفروا به ، ففينا والله وفيهم أنزل الله عز وجل : ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) البقرة/ 89 .
وهذا إسناد جيد .

ثانيا :

كان من هؤلاء الذين أحكموا وصف ذلك النبي ، وترقبوا خروجه ، وحرصوا على اتباعه : رجل منهم يدعى ابن الهَيْبان .
روى ابن إسحاق في “السيرة” – (ص85) ، ومن طريقه البيهقي في “سننه” (18263) ، وأبو نعيم في “دلائل النبوة” (ص81) عن عَاصِم بْن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْظَةَ أَنَّهُ قَالَ : هَلْ تَدْرِي عَمَّ كَانَ إِسْلَامُ ثَعْلَبَةَ وَأُسَيْدٍ ابْنَيْ سَعْيَةَ ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ نَفَرٌ مِنْ هُدَلَ ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا نَضِيرٍ كَانُوا فَوْقَ ذَلِكَ ؟
فَقُلْتُ : لَا .
قَالَ: فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ يَهُودَ ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْهَيبَانِ فَأَقَامَ عِنْدَنَا ، وَاللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ خَيْرًا مِنْهُ ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ ، فَكُنَّا إِذَا قُحِطْنَا وَقَلَّ عَلَيْنَا الْمَطَرُ نَقُولُ لَه : يَا ابْنَ الْهَيبَانِ اخْرُجْ فَاسْتَسْقِ لَنَا ، فَيَقُولُ : لَا وَاللهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا أَمَامَ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً ، فَنَقُولُ : كَمْ نُقَدِّمُ ؟ فَيَقُولُ : صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى ظَاهِرَةِ حَرَّتِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَسْتَسْقِي ، فَوَاللهِ مَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى تُمَرَّ الشِّعَابُ ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ لَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً ، فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ ؟ فَقُلْنَا : أَنْتَ أَعْلَمُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَنِي أَتَوَقَّعُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ ، هَذِهِ الْبِلَادُ مُهَاجَرُهُ ، فَأَتَّبِعُهُ ؛ فَلَا تُسْبَقُنَّ إِلَيْهِ إِذَا خَرَجَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، فَإِنَّهُ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَيَسْبِي الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ مِمَّنْ خَالَفَهُ ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ . ثُمَّ مَاتَ .
فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ الَّتِي افْتُتِحَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ ، قَالَ أُولَئِكَ الْفِتْيَةُ الثَّلَاثَة ، وَكَانُوا شُبَّانًا أَحْدَاثًا : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ؛ لَلَّذِي كَانَ ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الْهَيبَانِ . قَالُوا : مَا هُوَ به . قَالُوا : بَلَى وَاللهِ لَهُوَ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، إِنَّهُ وَاللهِ لِصِفَتِه . ثُمَّ نَزَلُوا فَأَسْلَمُوا وَخَلَّوْا أَمْوَالَهَمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَهَالِيَهُمْ . قَالَ : وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، فَلَمَّا فُتِحَ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ “.
وذكره الألباني في “صحيح السيرة” (ص60) .

وعَنْ شُعَيْبِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . قَالَ : ” كَانَ بِمَرِّ الظّهْرَانِ رَاهِبٌ مِنَ الرُّهْبَانِ يُدْعَى عِيصًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَكَانَ متخفرا بالعاص بن وائل ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ آتَاهُ عِلْمًا كَثِيرًا ، وَكَانَ يَلْزَمُ صَوْمَعَةً لَهُ ، وَيَدْخُلُ مَكَّةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، فَيَلْقَى النَّاسَ ، وَيَقُولُ : إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُولَدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ يَا أَهْلَ مَكَّةَ ، يَدِينُ لَهُ الْعَرَبُ ، وَيَمْلِكُ الْعَجَمَ ، هَذَا زَمَانُهُ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ وَاتَّبَعَهُ أَصَابَ حَاجَتَهُ ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته ، وباللَّه مَا تَرَكْتُ أَرْضَ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ وَالْأَمْنِ ، وَلَا حَلَلْتُ بِأَرْضِ الْجُوعِ وَالْبُؤْسِ وَالْخَوْفِ إِلَّا فِي طَلَبِهِ ” انتهى من “البداية والنهاية” (2/ 272) .
وينظر : “المنتظم” (2/ 338) ، “البداية والنهاية” (2/ 310) ، “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح” (5/ 175) ، “هداية الحيارى” (1/ 247).

فتبين بما تقدم أن هجرة كثير من أهل الكتاب ، ممن ارتحل من الشام وغيرها إلى المدينة ، قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كانت ترقبا لخروج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من كان يطمع أن يكون من معشر اليهود .

وينظر جواب السؤال رقم : (88651) ، (175339).

والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized