لم يكن يخرج زكاة ماله لأنها لا تبلغ نصاب الذهب ، ولم يكن يعلم أنها تقدر بالفضة .

السؤال : كنت أحسب مقدار النصاب على الذهب فقط عن جهل ، وحيث إن مالي لم يبلغ نصابا ، وهو : 85 جراما من الذهب، فلم أخرج الزكاة منذ زمن ، وقد علمت حديثا أن نصاب الزكاة يقدر بالفضة أيضا ، ولم أعلم ذلك من قبل ، وعندما أعدت حساب النصاب بالفضة ـ وجدت أن مالي يبلغ نصابا بمقدار الفضة فقط ، وهو : 595 جراما من الفضة ، فهل يلزمني أن أراجع مدخراتي في الأعوام الفائتة من عمري ، وأقارنها بنصاب الفضة حتى أخرج عنها الزكاة ، مع العلم إنه يصعب ذلك، أم أخرج الزكاة عن عام واحد فقط ، أم ماذا أفعل ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا :

إذا ملك المسلم من النقود ما يمكنه أن يشتري به عشرين مثقالا من الذهب الخالص ويساوي “85 جراما” ، أو مائة وأربعين مثقالا من الفضة وتساوي “595 جراما” ، فقد وجبت عليه الزكاة فيه إذا حال عليه الحول .

 

ثانيا :

نظراً لكون هذه الأوراق ملحقة بالذهب والفضة ، فقد اختلف العلماء المعاصرون في كيفية تقدير نصابها ، هل يكون بالذهب أم بالفضة .

مع العلم أن نصاب الذهب كان مساويا لنصاب الفضة في العهد النبوي ، فـ (200) درهم التي هي نصاب الفضة تساوي ( 20) دينار التي هي نصاب الذهب .

ولكن مع مرور الأيام لم يعد النصابان متساويين ، واليوم ثمة خلاف كبير بين نصاب الفضة والذهب .

ففي الوقت الحالي نصاب الذهب (85) غ ، ونصاب الفضة (595) غ ، وبين قيمتيها بون شاسع .

ومن هنا نشأ الخلاف : هل يتم تقدير نصاب العملات الورقية بالذهب أم بالفضة ؟.

فمن يقول بالذهب يرى أن من يملك أقل من قيمة (85) غ من الذهب لا تجب عليه الزكاة .

ومن يقول بالفضة يقول من يملك قيمة (595) غ من الفضة تلزمه الزكاة ، وهذا يعني أن عامة الناس الزكاة واجبة عليهم .

فمن رأى أن تقدير نصاب الأوراق النقدية يكون بالفضة ، احتج بـ :

* أن نصاب الفضة مجمع عليه، وثابت بالسنة المشهورة الصحيحة.

* أن التقدير به أنفع للفقراء، إذ باعتباره تجب الزكاة على أكبر عدد من المسلمين.

ومن رأى أن تقدير النصاب يكون بالذهب احتج بـ :

* أن قيمة الذهب ثابتة لم تتغير كثيرا خلافا للفضة .

فإن نصاب الذهب – العشرين ديناراً – كان يُشترى بها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عشرون شاة من شياه الحجاز تقريباً ، وكذلك نصاب الفضة – 200 درهم – كان يُشتَرى بها عشرون شاةً تقريباً أيضاً.

أما في عصرنا الحاضر فلا تكفي قيمة مئتي درهم من الفضة إلا لشراء شاة واحدة، بينما العشرون مثقالاً من الذهب تكفي الآن لشراء عشرين شاة من شياه الحجاز أو أقل قليلاً ، فهذا الثبات في قوة الذهب الشرائية تتحقق به حكمة تقدير النصاب على الوجه الأكمل، بخلاف نصاب الفضة.

* أن نصاب الذهب أقرب إلى الأنصبة المذكورة في أموال الزكاة الأخرى، كخمس من الإبل أو أربعين من الغنم أو خمسة أوسق من الزبيب أو التمر.

* أن الأصل في غطاء النقود الورقية هو الذهب لا الفضة .

وقد صدر قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، وقرار هيئة كبار العلماء بالسعودية ، وهو أيضًا اختيار اللجنة الدائمة ، والشيخ ابن باز رحمه الله ، وغيرهم : أن تقديرها بأدنى النصابين من الذهب أو الفضَّة ، وذلك مراعاةً لمصلحة الفقراء.

وهذا هو القول الراجح ، وقد سبق الفتوى بذلك في الموقع . ينظر جواب السؤال رقم (2795) ورقم (220039).

 

ثانيا :

قد تبين مما سبق أن الخلاف في تقدير نصاب الأوراق المالية : هل هو بالذهب أم بالفضة ، هو من النوازل المعاصرة ، ومن مسائل الخلاف السائغ ، بغض النظر القول الراجح في نفس الأمر .

 

فإذا كان مبلغ علم الرجل قولا معينا ، في هذه المسألة أو غيرها ، فإنه لا يكلف العمل بما لم يبلغه علمه ، ولم تقم عليه الحجة الشرعية به ، ولا يلزمه قضاء ما تركه جاهلا بوجوبه ، أو فعله على صفة غير مشروعة ، إذا لم يكن يعلم خيرا مما فعل .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

” وأصل هذا كله: أن الشرائع هل تلزم من لم يعلمها ؟ أم لا تلزم أحدا إلا بعد العلم؟ أو يفرق بين الشرائع الناسخة والمبتدأة؟

هذا فيه ثلاثة أقوال، هي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد ذكر القاضي أبو يعلى الوجهين المطلقين في كتاب له ، وذكر هو وغيره الوجه المفرق في أصول الفقه ، وهو: أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه الناسخ. وأخرج أبو الخطاب وجها في ثبوته.

ومن هذا الباب من ترك الطهارة الواجبة ولم يكن علم بوجوبها أو صلى في الموضع المنهي عنه قبل علمه بالنهي: هل يعيد الصلاة؟ فيه روايتان منصوصتان عن أحمد.

والصواب في هذا الباب كله: أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم ، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه .

فقد ثبت في الصحيح : أن من الصحابة من أكل بعد طلوع الفجر في رمضان حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء .

ومنهم من كان يمكث جنبا مدة لا يصلي ، ولم يكن يعلم جواز الصلاة بالتيمم ، كأبي ذر وعمر بن الخطاب وعمار لما أجنب ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا منهم بالقضاء .

ولا شك أن خلقا من المسلمين بمكة والبوادي : صاروا يصلون إلى بيت المقدس ، حتى بلغهم النسخ ، ولم يؤمروا بالإعادة. ومثل هذا كثير.

وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف والجمهور:

أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ؛ فالوجوب مشروط بالقدرة .

والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور ، أو فعل محظور ، بعد قيام الحجة. ” انتهى . من “مجموع الفتاوى” (19/227) .

 

وعلى ذلك ؛ فإذا كنت لم تزك السنوات الماضية جهلا بوجوب الزكاة ، أو اتباعا لقول من يقول بعدم الزكاة ، ثم تبين لك أن الصواب تقديرها بنصاب الفضة ، أو بأدنى النصابين : فلا شيء عليك في السنوات السابقة . لا سيما والقول بتقدير نصاب النقود بنصاب “الذهب” فقط ، هو القول الشائع في بلادكم – مصر – ، ويفتي به كثير من علمائها المشهورين ، الذين يرجع الناس إليهم في الفتوى . 

وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى -: “امرأة لم تعلم بوجوب زكاة الحلي إلا قريباً، فهل تخرج زكاة ما مضى من السنوات؟” .

فأجاب:

” الذي أرى أنه لا يجب عليها زكاة ما مضى، لأن المعروف في هذه البلاد ، والمفتى به هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله . والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله : أنه لا زكاة في الحلي المعد للاستعمال ، أو العارية .

وعلى هذا فلا يجب عليها زكاة ما مضى .

ولكن يجب عليها الزكاة عن هذا العام، الذي علمت فيه أن الزكاة واجبة في الحلي، وعمّا يستقبل من الأعوام، لأن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة: أن الزكاة واجبة في الحلي، وإن كان مستعملاً. والله الموفق.” انتهى، من “مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين” (18/142) .

وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم (145231)

 

والله أعلم .

Category: Uncategorized