ما مدى صحة مقوله؛ الله يعطي بقدر ما يأخذ؟

السؤال : ما صحة هذه العبارة لأن في نفسى شيء منها ( الله يأخذ بقدر ما يعطى ويعوض بقدر ما يحرم وييسر بقدر ما يعسر )

الجواب : 
الحمد لله
المقصود من هذه العبارة أحد معان ثلاثة:
المعنى الأول:
أن يراد بها حقيقة المقابلة؛ وأن الله تعالى إذا أخذ من عبد نعمة ، أعطاه مقابلها بمقدارها . 
فتكون هذه العبارة ، بهذا الإطلاق : غير صحيحة . 
بل لا بدّ من تفصيل؛ خلاصته : أن سلب النعم والحرمان يكون ابتلاء من الله تعالى واختبارا.
قال الله تعالى: ( لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) البقرة /155.
ومثل هذا يرجى له ، من فضل الله ومنه عليه : أن يزيل ما أصابه من الضر ، ويفرج عنه . 
لكن كون التعويض بقدر ، وبمثل ما حرمه العبد : ليس هناك دليل عليه ، ولا تحجير على فضل الله واسع ، ولا تحكم في قضائه وقدره ؛ فهو – سبحانه الفعال لما يريد ؛ لا يُسأل عما يفعل ، وهم يُسْألون . 
ومن الحرمان وسلب النعم ما يكون عقوبة على معصية.
قال الله تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) الشورى /30.
فصاحب هذه العقوبة إن تاب وصبر، فهو على خير ، ويرجى أن يعود الله عليه بفضله ، ويمن عليه بما فاته ، أو خير منه . 
قال تعالى : ( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) الأنفال/70
المعنى الثاني:
أن تقال على وجه التسلية للمصاب، ولا يقصد بها حقيقة المقابلة الواردة فيها ، وإنما يقصد بها بيان عظيم فضل الله تعالى وكرمه، وأن نعمه لا تنقطع عن العباد، وأنه كما أنعم سابقا فإنه ينعم لاحقا فلا شيء يعجزه ، ولا حد لكرمه ونعمه سبحانه وتعالى.
وهذا المعنى صحيح ، وهو واجب على المسلم اعتقاده؛ فصاحب المصيبة لا يجوز له أن يقنط من رحمة الله تعالى.
قال الله تعالى: ( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) الحجر /56.
قال تعالى : (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) يونس/107
بل الواجب على صاحب المصيبة أن يحسن الظن بالله تعالى.
المعنى الثالث:
ألا يقصد بهذه العبارة حقيقة المقابلة ، وإنما يراد بها : بيان عظيم كرم الله تعالى وأن نعمه سابغة ولا تنقطع عن العباد، وأن ما يلحق بالناس من مصائب لا تذكر بجانب ما يسبقها ويلحقها ويقارنها من نعم لا تحصى.
قال الله تعالى:
( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) إبراهيم /34 .
وقال الله تعالى: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) النحل /18.
فيقول الإنسان هذه العبارة على وجه شكر النعم وأنه لا يكفرها لمصيبة تخللت هذه النعم، وهذا نوع من أنواع التحدّث بنعمة الله تعالى؛ كما حث الله تعالى على ذلك:
( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الضحى /11.
فهذا المعنى إذا كان هو المقصود من هذه العبارة : فهو معنى محمود وصاحبه موعود بالفضل.
قال الله تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) إبراهيم /7.
والله أعلم.

 

Category: Uncategorized