معنى الإنزال في قوله تعالى : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) .

الجواب :
الحمد لله
اختلف المفسرون في معنى إنزال الأنعام المذكور في الآية الكريمة على عدة أقوال ، نكتفي بذكر أشهرها .
فذهب كثير منهم إلى أن المعنى : خلق ، واقتصر بعض المفسرين على هذا القول ، ولم يذكر خلافه ، كابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/86) ، وابن الجوزي في “زاد المسير” (5/245) .وهو ظاهر صنيع ابن جرير رحمه الله (20/162) حيث اكتفى في تفسير (أنزل) بـ (جعل) ولم يذكر غيره .
وقال ابن كثير رحمه الله : ” قَوْلُهُ: (وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) أَيْ: وَخَلَقَ لَكُمْ مِنْ ظُهُورِ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ” انتهى .

وذهب آخرون إلى أن المعنى : قضى وقَدَّر ، قالوا : “لأن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء،لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون ” .
انظر : ” تفسير ” الرازي (26/424) .
“فالإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه” ، انظر ” تفسير ابن جزي ” (2/217) .
“والإنزال مجاز عن القضاء والقسمة ، فإنه تعالى إذا قضى وقسم ، أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ، ونزلت به الملائكة الموكلة بإظهاره” انتهى من “روح المعاني” (23/240) .

وجمع السعدي رحمه الله بين هذين القولين فقال :
” أي: خلقها بقدَرٍ نازل منه ، رحمة بكم ” انتهى من “تفسير السعدي” (ص 719)

وذهب فريق ثالث : إلى أن الإخبار عن الأنعام بالإنزال “لأنها لا تعيش إلا بالنبات ، الذي يخرج بالمطر المنزل من السماء” .
قال الشوكاني في “فتح القدير” (6/270) .
“ويحتمل أن يكون مجازاً ، لأنها لم تعش إلا بالنبات ، والنبات إنما يعيش بالماء ، والماء منزل من السماء ، فكانت الأنعام كأنها منزلة” انتهى .
وقال الألوسي في “روح المعاني” (23/240) .
“ويجوز أن يكون التجوز في نسبة الإنزال إلى الأنعام ، والمنزل حقيقة أسباب حياتها ، كالأمطار ، ووجه ذلك : الملابسة بينهما” انتهى .

وقول رابع اختاره بعض العلماء: أن الإنزال على ظاهره ، ولكن ذلك لا يعني أن الأنعام منزلة من السماء ، فإن الله لم يذكر في الآية أنها منزلة من السماء ، وإنما معنى إنزالها أنها نزلت من أصلاب آبائها إلى بطون أمهاتها ، ثم نزلت من بطون أمهاتها إلى الأرض .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ لَفْظُ نُزُولٍ ، إلَّا وَفِيهِ مَعْنَى النُّزُولِ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَلَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ نُزُولًا إلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَوْ أُرِيدُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ خِطَابًا بِغَيْرِ لُغَتِهَا، ثُمَّ هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ ، الْمَعْرُوفِ لَهُ مَعْنًى ، فِي مَعْنًى آخَرَ ، بِلَا بَيَانٍ ؛ وَهَذَا لَا يَجُوزُ ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (12/ 257)
وقال أيضا :
“وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ إنْزَالَ الْحَدِيدِ ، وَالْحَدِيدُ يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ…..
“ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ ، فَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ بِذِكْرِ الْحَدِيدِ : هُوَ اتِّخَاذُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِنْهُ كَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ وَالنَّصْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، الَّذِي بِهِ يُنْصَرُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ لَمْ تَنْزِلْ مِنْ السَّمَاءِ…..
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ نُزُولَ الْحَدِيدِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَعَادِنِ ، وَعَلَّمَهُمْ صَنْعَتَهُ ، فَإِنَّ الْحَدِيدَ إنَّمَا يُخْلَقُ فِي الْمَعَادِنِ ، وَالْمَعَادِنُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْجِبَالِ ، فَالْحَدِيدُ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ مِنْ مَعَادِنِهِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بَنُو آدَمَ .
وَقَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) ، وَهَذَا مِمَّا أَشْكَلَ أَيْضًا. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: خَلَقَ ، لِكَوْنِهَا تُخْلَقُ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنَّ بِهِ يَكُونُ النَّبَاتُ الَّذِي يَنْزَلُ أَصْلُهُ مِنْ السَّمَاءِ ، وَهُوَ الْمَاءُ …
وَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفِ لُغَةً؛ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا ، وَمِنْ أَصْلَابِ آبَائِهَا تَأْتِي بُطُونَ أُمَّهَاتِهَا ، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: قَدْ أَنْزَلَ الْمَاءَ ، وَإِذَا أَنْزَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ غَالِبُ إنْزَالِهِ وَهُوَ عَلَى جَنْبٍ ، إمَّا وَقْتَ الْجِمَاعِ ، وَإِمَّا بِالِاحْتِلَامِ ، فَكَيْفَ بِالْأَنْعَامِ الَّتِي غَالِبُ إنْزَالِهَا مَعَ قِيَامِهَا عَلَى رِجْلَيْهَا ، وَارْتِفَاعِهَا عَلَى ظُهُورِ الْإِنَاثِ .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا : أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النُّزُولَ فِيمَا خَلَقَ مِنْ السُّفْلَيَاتِ ، فَلَمْ يَقُلْ : أَنَزَلَ النَّبَاتَ ، وَلَا أَنْزَلَ الْمَرْعَى ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيمَا يُخْلَقُ فِي مَحَلٍّ عَالٍ ، وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ ، كَالْحَدِيدِ وَالْأَنْعَامِ” انتهى .
وقال ابن القيم رحمه الله :
” لَمْ يَقُلْ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَا قَالَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَوْلُهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْأَنْعَامَ لَمْ يُنَزَّلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، لَا يُخْرِجُ لَفْظَةَ النُّزُولِ عَنْ حَقِيقَتِهَا، إِذْ عَدَمُ النُّزُولِ مِنْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ ، لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ مُطْلَقًا.
والْحَدِيد إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَادِنِ الَّتِي فِي الْجِبَالِ ، وَهِيَ عَالِيَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَعْدِنُهُ أَعْلَى كَانَ حَدِيدُهُ أَجْوَدَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ) ، فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تُخْلَقُ بِالتَّوَالُدِ الْمُسْتَلْزِمِ إِنْزَالَ الذُّكُورِ الْمَاءَ مِنْ أَصْلَابِهَا إِلَى أَرْحَامِ الْإِنَاثِ، وَلِهَذَا يُقَالُ أَنْزَلَ ، وَلَمْ يُنْزِلْ، ثُمَّ إِنَّ الْأَجِنَّةَ تَنْزِلُ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْعَامَ تَعْلُو فُحُولُهَا إِنَاثَهَا بِالْوَطْءِ، وَيَنْزِلُ مَاءُ الْفَحْلِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى رَحِمِ الْأُنْثَى وَتُلْقِي وَلَدَهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ ” .
انتهى من “مختصر الصواعق المرسلة” (ص 441) .
وهذا هو نفس اختيار الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمه الله ، كما في “فتاواه” (13/ 100).

وهذا القول الأخير هو أظهر الأقوال –والله أعلم- لأن فيه إبقاء الآية على ظاهرها ، وتفسير النزول بما يدل عليه في اللغة العربية . وهذا القول لا ينافي القول بـ (خلق) ولا القول بـ (قدر) ولكنها يزيد عليهما في المعنى .

وأما القول بأن الأنعام قد نزلت من السماء ، فهو قول ضعيف لم يدل عليه دليل ، ولذلك أعرض عنه عامة المفسرين ولم يذكروه ، كابن جرير ، وابن كثير ، والطاهر بن عاشور رحمهم الله وغيرهم .
ومن ذكره من المفسرين : لم ينسبه إلى أحد من العلماء ، وإنما يقولون : وقيل : …. إلخ. ونحو ذلك ، كما فعل القرطبي رحمه الله وغيره ، وبعضهم صرح بضعف هذا القول ، كالألوسي رحمه الله فإنه قال : “وقيل : الكلام على ظاهره ، والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها . ولا أرى لهذا الخبر صحة ” انتهى من “روح المعاني” (23/240) .

وأما القول بأن الحديد أنزل من خارج الأرض لقوله تعالى : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) فلم يثبت هذا القول ، والخلاف في آية الحديد كالخلاف في آية الأنعام ولا فرق ، ولذلك يذكر المفسرون الآيتين معا عند الكلام على إحداهما .
فما يذكره بعض المعاصرين من أن الحديد أنزل من خارج الأرض هو اجتهاد منهم لم يثبت في الشرع ما يؤيده .
والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized