معنى قوله تعالى: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ …)

السؤال : قال إبليس : ـ متحديا رب العالمين ـ ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) فلماذا ذكر أربع جهات ، مع أن المعلوم في السنة ست جهات ؟ فلدي وسواس أن الشيطان يحول بيني وبين الله في الاستشعار في الصلاة من فوق رأسي ، وأنا أعاني من وسواس قهري منذ سنوات ، حيث أخبرني شخص أن الشيطان يأتي الإنسان من فوق رأسه ، استدلال بالحديث ( اللهم أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، اللهم أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي ، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي … الخ ) أرجو الجواب بشكل مفصل .

الجواب :

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى ، مخبرا عن عدو الله إبليس ، وما قاله لرب العزة والجلال : (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) الأعراف/16، 17

وهذه الجهات المذكورة، للمفسرين فيها قولان:

الأول: حملها على الجهات المعروفة التي تحيط بالإنسان. قالوا: ولم يذكر إبليس جهة الفوق؛ لأن الله فوقهم، أو لأنها الجهة التي تتنزل منها الرحمة من الله.

ولم يذكر جهة التحت لأنها غير ممكنة.

قال السيوطي في الدر المنثور (3/ 427): ” وأخرج عبد بن حميد وابن جرير واللالكائي في السنة عن ابن عباس في الآية قال: لم يستطع أن يقول: من فوقهم. علم أن الله فوقهم.

وفي لفظ: لأن الرحمة تنزل من فوقهم.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: يأتيك يا ابن آدم من كل جهة ، غير أنه لا يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة الله ؛ إنما تأتيك الرحمة من فوقك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال إبليس: لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم. قال الله: أنزل عليهم الرحمة من فوقهم” انتهى.

 

وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (3/ 39): ”  وقيل: “من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم”. ولم يقل من فوقهم، قال ابن عباس: لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه ممتنع إذا أريد به الحقيقة” انتهى.

 

والقول الثاني: أن المراد بالجهات الأربعة: الدنيا والآخرة، والحسنات والسيئات.

وهذا مروي عن ابن عباس أيضا، وغيره.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (3/ 394): ” وقال علي بن طلحة -في رواية -والعوفي، كلاهما عن ابن عباس: أما {من بين أيديهم} فمن قبل دنياهم، وأما {من خلفهم} فأمر آخرتهم، وأما {عن أيمانهم} فمن قبل حسناتهم، وأما {عن شمائلهم} فمن قبل سيئاتهم” انتهى.

 

وقال القرطبي رحمه الله في تفسيره (7/ 176): “ومن أحسن ما قيل في تأويل (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) أي لأصدنهم عن الحق، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككنهم في الآخرة. وهذا غاية في الضلالة. كما قال:” ولأضلنهم” حسب ما تقدم.

وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة:” من بين أيديهم” من دنياهم.” ومن خلفهم” من آخرتهم.” وعن أيمانهم” يعني حسناتهم.” وعن شمائلهم” يعني سيئاتهم.

قال النحاس: وهذا قول حسن ، وشرحه: أن معنى” ثم لآتينهم من بين أيديهم”: من دنياهم، حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة. “ومن خلفهم” : من آخرتهم حتى يكذبوا بها.

“وعن أيمانهم” : من حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: “إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين”. “وعن شمائلهم” : يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات؛ لأنه يزينها لهم” انتهى.

ثانيا:

على القول الأول، فإن الشيطان لا يأتي الإنسان من فوقه.

 

ولا يتعارض هذا مع ما في الحديث من الاستعاذة بما يأتي من جهة الفوق، فإن المراد به ما ينزل من البلاء والصواعق ونحو ذلك، لا الشيطان.

وكذلك الاستعاذة مما يجيء من أسفل ؛ فإن المراد به الخسف.

وقد روى أحمد (4785) وأبو داود (5074) والنسائي (5529) وابن ماجه (3871) عن ابْنِ عُمَرَ، قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ، حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي»، وَقَالَ عُثْمَانُ: «عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» .

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِي الْخَسْفَ». وصححه الألباني.

 

قال ابن الملك في شرح المصابيح (3/ 178): ” “اللهم احفظْني”؛ أي: ادفع عني المؤذِيات والبلاء.

“من بين يديَّ ومِن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي”: سأل – عليه الصلاة والسلام – حفظه من البليَّات من جميع الجهات؛ لأن البلايا والآفات إنما تلحق الإنسان، وتُقبِلُ إليه من إحدى هذه الجهات.

“وأعوذُ بعظمتك أن أُغْتَال”؛ أي: أَهْلِك “من تحتي”؛ هو باقي الجهات الست” انتهى.

ثالثا:

اعلم أن كيد الشيطان ضعيف، وأنه لا سلطان له إلا على من يتولاه، كما قال تعالى: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء/76، وقال: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) النحل/98- 100

 

فأقبل على الله تعالى، واخشع في صلاتك، واعلم أن المصلي قائم بين يدي الله، وأن الله يحفظ عبده المؤمن، ويقبل عليه، فلا ينبغي أن تلتفت إلى الشيطان في هذا المقام، فإن وسوس لك ليحول بينك وبين صلاتك ، فاستعذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا، فقد روى مسلم (2203) عن عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أنه أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا) قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي.

وانظر: جواب السؤال رقم (222910) ورقم (104532).

 

والله أعلم.

Category: Uncategorized