من باع آخرته بدنيا غيره ، فهو من أخسر الخاسرين .

الجواب :
الحمد لله
هذا القول نُقل عن جماعة من السلف والأئمة المتقدمين.
فروى أبو نعيم في “الحلية” (5/ 325) عن مَيْمُون بْن مِهْرَانَ، قال: ” قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِجُلَسَائِهِ: ” أَخْبِرُونِي بِأَحْمَقِ النَّاسِ ” ؟
قَالُوا: رَجُلٌ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ !!
فَقَالَ عُمَرُ: ” أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَحْمَقَ مِنْهُ؟
” قَالُوا: بَلَى .
قَالَ: ” رَجُلٌ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ ” !!

وروى الدارمي (673) : ” أن سُلَيْمَان بْن عَبْدِ الْمَلِكِ سأل أبا حازم : أَيُّ الناس أَحْمَقُ؟
قَالَ: ” رَجُلٌ انْحَطَّ فِي هَوَى أَخِيهِ ، وَهُوَ ظَالِمٌ، فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ ” !!
فقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: أَصَبْتَ ” .

وروى ابن عبد البر عَنِ عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال : “كَانَ يُقَالُ: أَخْسَرُ النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ ، وَأَخْسَرُ مِنْهُ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ “.
انتهى من “جامع بيان العلم وفضله ” (2/ 906) .
وقَالَ سَحْنُونٌ : ” أَشْقَى النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ “
انتهى من ” الآداب الشرعية والمنح المرعية ” (2/ 63) .

وقد ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لا يصح نسبته إليه ؛ رواه ابن ماجة (3966) ، وضعفه الألباني في ” ضعيف ابن ماجة ” .
وانظر : ” سلسلة الأحاديث الضعيفة ” (735) ، (835) ، “ضعيف الجامع” (1388) .

وروى ابن حبان (4909) عن أبي سعيد الخدري قال: ” مَرَّ أَعْرَابِيٌّ بِشَاةٍ ، فَقُلْتُ تَبِيعُنِيهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، ثُمَّ بَاعَنِيهَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقَالَ: (باع آخرته بدنياه) وحسنه الألباني في “الصحيحة” (364) .

ومعنى (باع آخرته بدنياه) : أي : ارتكب معصية الله تعالى لينتفع في الدنيا، وعَرَّض نفسه لخسارة نعيم الآخرة ، كمن حلف كاذبا أو غش ليربح في البيع .
أو تعامل بالربا ليجمع الأموال .
أو ظلم الناس وأكل أموالهم بغير حق ، كالسارق والغاصب والخائن .
وأما معنى “باع آخرته بدنيا غيره ” : فذلك يطلق على من يعصي الله تعالى ويعرض نفسه لخسارة نعيم الآخرة ، لا من أجل أن يتنعم هو بالدنيا ، ولكن ليتنعم غيره بها ؛ فهو يصلح دنيا غيره ، بفساد آخرته .
وذلك : كمن أعان ظالما ليتمكن من ظلمه ، كعلماء السوء أو جنود الحكام الظلمة الذين يعينونهم على ظلم رعيتهم ، فهؤلاء أعانوا ذلك الظالم ليستمتع بدنياه ويتمكن فيها ، وأذهبوا آخرتهم ، فباعوا آخرتهم ولم يستفيدوا هم شيئا من الدنيا وإنما استفاد غيرهم .
قال المناوي : ” سماه الفقهاء : أخس الأخساء” انتهى من “التيسير” (2/380) .
وينظر : “فيض القدير” (2/424) .

والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized