من شبهات الأشاعرة حول ابن القيم وابن أبي العز رحمهما الله

الجواب :
الحمد لله
أولا :
صفة العلو لله تعالى على خلقه واستوائه على العرش ثابتة ثبوتا قطعيا بالقرآن الكريم والسنة النبوية المتواترة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم وبدلالة العقل المستقيم أيضا .
وقد سبق بيان ذلك في عدة فتاوى ، انظر الفتوى رقم : (992) ، (131956) ، (195996) .
ومع وضوح تلك الأدلة وضوح الشمس وقت الظهيرة ليس دونها سحاب إلا أن البعض قد عمي أو تعامى عنها ، أو تكلف في تحريفها وحرفها عما دلت عليه .
وقد يحمل التعصبُ أو الجهلُ الإنسانَ على الإساءة في الاستدلال ، والإساءة في الرد والاعتراض على من يخالفه ، فتراه يرد الحق بما لا يرده به عاقل ، ويتكلف في سبيل ذلك ويأتي بما يخالف الشرع والعقل .
فمن ذلك : ما ذكره السائل عن ذلك الأشعري .
والجواب عليه من عدة أوجه :
الأول :
هب أن ابن القيم رحمه الله أخطأ ، وكل إنسان يصيب ويخطئ ، ويؤخذ من قوله ويرد منه ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال ذلك الإمام مالك رحمه الله .
فإذا أخطأ ابن القيم رحمه الله أو غيره ، فهل يصح عند العقلاء أن يكون ذلك سببا صحيحا لرد الحق وعدم قبوله ؟!
الثاني :
أن من يقرأ سيرة ابن القيم رحمه الله وثناء العلماء عليه يقف على غزارة علمه وقوة دينه وتقواه وخشيته لله تعالى مما يمنع أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا ، والواجب على المسلم إحسان الظن بالمسلم الذي لم يظهر منه سوء ، فكيف إذا كان ذلك المسلم عالما جليلا من علماء المسلمين ، وتتابع العلماء على الثناء عليه والاستفادة من علمه .
فلا شك أنه أولى بإحسان الظن به .
والحديث الذي ذكره السائل (إن أول من يصلى عليّ الرب عز وجل من فوق عرشه)
حديث باطل مكذوب ، ساقه الهيثمي رحمه الله في “مجمع الزوائد” (9/ 31) ثم قال : ” رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَهُوَ كَذَّابٌ وَضَّاعٌ ” انتهى .
انظر جواب السؤال رقم : (100100) .
فلعل ابن القيم رحمه الله حينما ذكره لم يتبين له أنه موضوع ، وهذا هو الظاهر ، حيث لم يذكر ابن القيم إسناده ، ولا ذكر من خرجه من أئمة الحديث ، مما يدل على أنه كتبه من حفظه ، ولم يرجع إلى مصادره ، وقد يعتري الإنسان في حفظه ما يعتريه ، والنسيان آفة لا يسلم منها أحد من البشر ، ولذلك كان من صفات الله عز وجل الدالة على كماله وعظمته أنه لا ينسى : (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى) طه/52.
وأما زيادة (جالسا) في الحديث الثاني ، فنعم ، قد زيدت في الكتاب ، وليست هي في الحديث ، فيحتمل أن ابن القيم زادها نسيانا للفظ الحديث ، أو سبق قلم ، ويحتمل أنها زيادة من أحد النساخ .
قال الألباني رحمه الله :
” أورد ابن القيم في “جيوشه” (ص34) حديث ابن عباس من رواية أحمد بلفظ: (على كرسيه أو سريره جالسا) فزاد “جالسا” وليست هذه الزيادة عند أحمد ولا عند غيره ممن ذكرنا، فأظنها مصحفة، ولا أعلم في جلوس الرب تعالى حديثا ثابتا ” انتهى من “مختصر العلو” (ص 93).

وهذه العبارات مثل ” جلوس الرب على كرسيه ” أو ” قعوده على عرشه ” ونحو ذلك ، وإن لم تصح بها النصوص المرفوعة ، فقد حكيت عن غير واحد من السلف والأئمة ، لا يخرجون في معناها عن معنى استواء الرب تعالى على عرشه ، وإن كان الاكتفاء بإثبات صفة الاستواء أولى .
قال الشيخ البراك حفظه الله :
” ورد في بعض الآثار نسبة الجلوس إلى الله تعالى، وأنه يجلس على كرسيه كيف شاء سبحانه، وربما أطلق بعض الأئمة هذا اللفظ أيضاً، وسياق كلام الشيخ [يعني : شيخ الإسلام ابن تيمية] يشعر بأن الاستواء يتضمن القعود ، لكن الأولى التوقف في إطلاق هذا اللفظ إلا أن يثبت ” انتهى من “شرح الرسالة التدمرية” (ص 188) .
وينظر جواب السؤال رقم : (219403) .

على أن ابن القيم رحمه الله قد ذكر في كتابه “اجتماع الجيوش الإسلامية” خمسين حديثا كلها تدل على علو الله تعالى على خلقه ، وأكثر هذه الأحاديث صحاح ، ونحو خمسة عشر حديثا منها في الصحيحين أو أحدهما .
وقد ذكر قبل ذلك طرفاً من أدلة القرآن الكريم على علو الله تعالى على خلقه ، وقد ذكر الله في القرآن الكريم استواءه على عرشه في سبعة مواضع ، كما هو معلوم .
ثم أتبع ابنُ القيم ذلك بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة في ذلك .
فهل من العقل والإنصاف أن ترد دلالة القرآن الكريم والأحاديث المتواترة من أجل أن ابن القيم رحمه الله أخطأ في موضع أو موضعين ، أو ذكر حديثا غير صحيح ؟! لا يُسوِّغ ذلك إلا جاهل أو متعصب .
وقديما قيل : السعيد من عُدَّت غلطاته .
ثم هات ما شئت من كتب الأشاعرة أو غيرهم ، وانظر حالهم فيها مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وآثار السالفين ، وكيف يردون الأحاديث الصحيحة ، بل المتواترة أحيانا ، التي تخالف مذهبهم .
وكيف يوردون في الاستشهاد لمذاهبهم ، حينما يجنحون إلى ذلك : ما لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ما لا أصل له .

ثانيا :
شارح العقيدة الطحاوية هو الإمام صدر الدين محمد بن عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي ، شيخ من شيوخ أهل السنة ، وإمام من أئمتها ، استقى مادة هذا الشرح من كتب أهل السنة ، ونافح عن عقيدة السلف ، وأوذي في ذلك ، فصبر واحتسب .
وينظر جواب السؤال رقم : (93197) .
ومن طعن فيه ، أو في عقيدته ، فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ، قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) الأحزاب/ 58 .

وليس من أحد إلا وله أخطاء وزلات ، ومن تتبع أخطاء العلماء ليقع فيهم ، فقد ظلم نفسه ، وتعدى حدود الله .

وهذا كتاب شرح العقيدة الطحاوية موجود مطبوع ، فليكن الرد عليه بطريقة علمية ، بعيدا عن التعصب والهوى ، والبهتان ، برمي الإنسان بما ليس فيه .
وقد قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ : ( .. وَمَنْ قَالَ فِى مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ : أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ) . رواه أبو داود (3599) وصححه الألباني .

ثم هذا الكتاب هو شرح لمتن في العقيدة ألفه الإمام الطحاوي الحنفي ، الذي اشتهر باسمه “العقيدة الطحاوية” وهو متن موافق ـ في مجمله ـ لعقيدة أهل السنة والجماعة ، مخالف لما عليه الأشاعرة وغيرهم ممن خالفوا طريقة السلف .
وينظر للفائدة حول “متن العقيدة الطحاوية” : جواب السؤال رقم : (93197) .

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، وأن لا يجعله ملتبسا علينا فنضل .
والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized