هل السلفية تدعو لرد التفقه على المذاهب الفقهية ؟

الجواب :
الحمد لله
دعوة أهل العلم -المقتفين لمنهج السلف الصالح- إلى التمسك بالكتاب والسنة وعدم التعصب للمذاهب ليس فيه دعوة إلى الإعراض عن قراءة كتب المذاهب ، ولا إلى عدم الاهتمام بأقوال علمائها ، أو هدر اجتهاداتهم .
وإنما المفهوم الصحيح لدعوتهم قائم على عدّة أصول وهي :
الأصل الأول :
أن أقوال علماء المذاهب وأئمتها ليست دليلا في حدّ ذاتها ، وهذا متفق عليه بين جميع المسلمين
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” اتفق أهل العلم – أهل الكتاب والسنة – على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر ، وطاعته في كل ما أمر ، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ” .
انتهى من ” منهاج السنة ” ( 6 / 190 – 191 ) .
الأصل الثاني :
أن الحق ليس محصورا في المذاهب الأربعة ، بل الحق هو ما وافق النص الشرعي .
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” أهل السنة لم يقل أحد منهم إن إجماع الأئمة الأربعة حجة معصومة ، ولا قال: إن الحق منحصر فيها ، وإن ما خرج عنها باطل ، بل إذا قال: من ليس من أتباع الأئمة ، كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين قولا يخالف قول الأئمة الأربعة ، رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ، وكان القول الراجح هو القول الذي قام عليه الدليل ” انتهى من ” منهاج السنة ” (3 / 412) .

الأصل الثالث :
أن طلب الدليل الصحيح لكل مسألة هو الواجب على القادر على ذلك ، ممن له أهلية الفهم لنصوص الكتاب والسنة ، أما العاجز عن فهم نصوص الكتاب والسنة بنفسه فهو مضطر لتقليد أحد علماء هذه المذاهب ، ممن يثق بعلمه ودينه ، ويكون هذا هو الواجب عليه .
قال الله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )التغابن/ 16 .
وقال الله تعالى : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )البقرة /286 .
قال الشيخ محمّد الأمين الشّنقيطي رحمه الله تعالى :
” المضطر للتقليد الأعمى اضطرارا حقيقيّا ، بحيث يكون لا قدرة له ألبتّة على غيره ، مع عدم التّفريط ، لكونه لا قدرة له أصلا على الفهم ، أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم ، أو هو في أثناء التعلّم ولكنّه يتعلّم تدريجيّا ؛ لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد ، أو لم يجد كفؤا يتعلم منه ، فهو معذورٌ في التّقليد المذكور ، للضرورة ؛ لأنّه لا مندوحة له عنه .
أما القادر على التعلم المفرط فيه ، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي ، فهذا الذي ليس بمعذور” انتهى من ” أضواء البيان ” (7 / 588) .

الأصل الرابع :
ضرورة اطلاع العالم أو طالب العلم على مذاهب أهل العلم ، للآتي :
1-عدم الاطلاع على أقوال المذاهب وأدلتها يفوّت معرفة مواقع الاتفاق ومواقع الخلاف ، وهذا قد يؤدي إلى خرق ما اتفق عليه المسلمون واتباع غير سبيلهم .
قال السيوطي رحمه الله تعالى :
” من شروط الاجتهاد : معرفة أقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم ، إجماعا واختلافا ، لئلا يخرق الإجماع فيما يختاره ” انتهى من ” صون المنطق ” ( ص 47 ) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى :
” الذين أخذوا بالحديث دون أن يرجعوا إلى ما كتبه العلماء في الأحكام الشرعية … تجد عندهم من المسائل الغريبة : ما تكاد تجزم بأنها مخالفة للإجماع ، أو يغلب على ظنك أنها مخالفة للإجماع ، لهذا ينبغي للإنسان أن يربط فقهه بما كتبه الفقهاء رحمهم الله ، ولا يعني ذلك أن يجعل إمام هذا المذهب كالرسول عليه الصلاة والسلام يأخذ بأقواله وأفعاله على وجه الالتزام ” انتهى من ” مجموع فتاوى ابن عثمين ” (26 / 177) .
2-معرفة أقوال أهل العلم عامة أمر هام ؛ حتى لا يشذ الطالب ، أو العالم ، في مسألة ما ، أو في فهم نص ما ، بقول أو فهم لم يسبقه إليه أحد ، ويخالف به كل من سبقه من أهل العلم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ، ولم يسبقه إليه أحد منهم ، فإنه يكون خطأ ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام ” .
انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (21 / 291) .
3-المسائل الفقهية منها ما قام عليه دليل صريح من الكتاب والسنة ، إلا أنه يصعب أن يحيط العالم بجميع السنة ، وعلى فرض إمكانية ذلك ، فإنه يصعب أن يستحضرها كلها حال بحثه عن حكم مسألة معينة ، خاصة وأن بعض أحاديث الأحكام قد توجد في غير مظانها من الكتب ، لكن برجوع العالم والطالب إلى أقوال المذاهب في المسألة ، ومطالعة أدلتهم ، والاستفادة من جهودهم على مدار مئات السنين يحقق له هذا التصرف فائدة جمع الأدلة في المسألة ، والمقارنة والترجيح بينها ، وهذا ما يسمّى بـ ” الفقه المقارن ” .
وهناك الكثير من الفروع الفقهية لا يوجد نص شرعي صريح عليها ، وإنما يستدل عليها بالإجماع أو القياس أو الاستصحاب وغيرها من طرق الاستدلال ، فإذا اكتفى الشخص برأي نفسه ، ولم يرجع إلى كتب المذاهب ، ويطلع على أدلتها ، ويسترشد بها في معرفة الراجح : لم يكن في هذه الحالة باذلا للجهد والوسع في معرفة الحق الذي هو واجب على المجتهد ، والمتصدر للفتوى .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى :
” وأما المسائل التي لا نص فيها فالصواب النظر في اجتهادهم – أي أئمة المذاهب – فيها . وقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا ؛ لأنهم أكثر علما وتقوى منا ” .
انتهى من ” أضواء البيان ” (7 / 589) .
والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized