هل تخرج الزكاة التي قصر فيها الميت من وصيته؟

السؤال : هل يجوز إخراج الزكاة الناقصة من السنين الماضية لمتوفي من مال الوقف الذي أوصى به ؟ توفي أبي رحمه الله من فترة قريبة ، وكان رجلا فاضلا مشهود له بالصلاح والكرم ، ترك تركة عبارة عن مبلغ من المال بالإضافة إلى 3 شقق سكنية ، اثنين للإيجار ، والثالثة كان قد أوصى أن تكون وقفا لله تعالى ، وأن يصرف إيجارها سنويا لله ، وأن تبقى وقفا لله إلى ماشاء الله ، ولكن علمنا بعد وفاته رحمه الله أنه لم يكن يتحرى الزكاة بمقدارها الصحيح طوال حياته ، وأنه رغم كثرة عطاءه لازال أقل من المقدار الواجب في الزكاة ربما 60% ، ويصعب علينا حساب ذلك بدقة ، الحمدلله لا يوجد عليه أي دين لأي مخلوق ، ولكن نعرف أن نقص الزكاة هو دين عند الله عز وجل ، وأنه يجب علينا قبل تقسيم ورثته سداد زكاته على مر السنين الماضية ، ولكن نظرا لصعوبة حساب المقدار الناقص ، فما الذي يمكن عمله لسدادها حتى لا يعذب الوالد عليها ، وأن يغفر الله تقصيره في ذلك ؟ وهل يمكن إعتبار الوقف الذي أوصى به الوالد بدلا عن ما نقص من زكاته ، واحتساب المبلغ الذي يخرج سنويا إذا كان مقاربا للمبلغ الناقص عن الزكاة للسنين القادمة تعويضا عن السنين الماضية ؟ أم إنه يجب إخراج ما نقص من الزكاة دفعة واحدة من مال التركة وليس الوقف ؟

الجواب :

الحمد لله

أولًا :

من مات وعليه زكاة لم يخرجها : فالواجب على الورثة إحصاء تلك الزكاة وإخراجها من التركة قبل الوصية والميراث ، لأن الديون التي على الميت – سواء كانت حقوقا لله أم للعباد – تقدم على حق الورثة وعلى الوصية ، قال الله تعالى في تقسيم الميراث : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/11 .

 

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن رجل توفي ولم يكن يخرج زكاة ماله عدة سنوات . 

فأجابوا :

“يجب إخراج الزكاة من مال هذا الميت عن جميع السنوات التي مرت عليه ولم يزك ، بأن يخرج ربع العشر (2.5) في المائة ، مع اعتبار حسم زكاة كل سنة من المبلغ ، وتزكية الباقي في السنة التي بعدها” انتهى .

فتاوى اللجنة (1/493) المجموعة الثالثة .

 

ثانيا :

إذا أوصى الرجل بوقف شيء من ماله بعد موته وحدد مصارفه ، فيجب تنفيذ وصيته إذا مات ، ما دامت لم تزد عن ثلث التركة . وينظر لبيان ذلك السؤال رقم (264216) .

 

ثالثا :

إذا مات الإنسان وكان قد أوصى بشيء من ماله في أوجه الخير وكان عليه ديون (زكاة أو غيرها) فإن الديون تقدم على الوصية فيبدأ بسدادها من التركة ، ثم تكون الوصية فيما بقي .

 

قال البهوتي رحمه الله في “الروض المربع” (3/184) :

“والزكاة إذا مات من وجبت عليه : كالدين في التركة” انتهى.

قال ابن قاسم في حاشيته : ” فيخرجها وارث وغيره، لأنها حق واجب، فلا تسقط بالموت، كدين الآدمي، وهو لا يسقط بالموت” انتهى.

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :

“الحقوق المتعلقة بالتركة :

يتعلق بالتركة خمسة حقوق مرتبة بحسب أهميتها كالآتي:

1 – مؤن تجهيز الميت: من ثمن ماء تغسيله، وكفنه، وحنوطه، وأجرة الغاسل، وحافر القبر، ونحو ذلك؛ لأن هذه الأمور من حوائج الميت، فهي بمنزلة الطعام والشراب واللباس والسكن للمفلس.

2 – ثم الحقوق المتعلقة بعين التركة: كالدَّين الذي فيه رهن، وإنما قدمت على ما بعدها لقوة تعلقها بالتركة ، حيث كانت متعلقة بعينها.

وعند الأئمة الثلاثة – مالك وأبي حنيفة والشافعي -: تقدم هذه الحقوق على مؤن التجهيز؛ لأن تعلقها بعين المال سابق .

وعلى هذا فيقوم بمؤن التجهيز من تلزمه نفقة الميت إن كان، وإلا ففي بيت المال .

وهذا القول كما ترى له حظ من النظر، والله أعلم.

3 – ثم الديون المرسلة التي لا تتعلق بعين التركة، كالديون التي في ذمة الميت بلا رهن، سواء كانت لله ، كالزكاة والكفارة، أم للآدمي ، كالقرض والأجرة وثمن المبيع ونحوها…

4 – ثم الوصية بالثلث فأقل لغير وارث.

5- ثم الإرث ” انتهى من تسهيل الفرائض (ص 11-16) باختصار .

 

ومقتضى تقديم الزكاة على الوصية : أنه لا يؤخذ من الوصية لدفع الزكاة ، كما لا يؤخذ من الزكاة للوصية ، بل يُبدأ بإخراج الزكاة من التركة ، ثم تخرج الوصية بعد ذلك فيما حدده الموصي من مصارف .

 

وعلى هذا ، فالوصية التي أوصى بها الوالد لا يجوز حسابها من الزكاة ، لأن الظاهر من الوصية بالوقف أن الوالد قصد التبرع بها ، ولم يقصد أنها تكون عوضا عن الديون التي عليه .

 

فالواجب إخراج الزكاة عن السنين التي لم تخرج عنها ، من مجموع ما ترك الوالد من المال .

 

ثم ينظر بعد ذلك : فإن كانت الوصية لا تزيد عن الثلث : فإنها تنفذ .

وإن كانت أكثر من الثلث : فإنها تنفذ في حدود ثلث التركة فقط ، وما زاد على الثلث فلا تنفذ فيه إلا برضا الورثة .

والله أعلم .

Category: Uncategorized