هل صح أن البحر يستأذن ربه ليغرق أهل الأرض ، وأن الأرض تستأذن ربها لتبتلعهم ، وأن السماء تستأذن ربها لتنطبق عليهم ؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
ورد في استئذان البحر ربه أن يغرق أهل الأرض حديث ضعيف ، رواه الإمام أحمد رحمه الله في “مسنده” (303) قال :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَرْضِ، يَسْتَأْذِنُ اللهَ فِي أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ )
قال الشيخ الألباني رحمه الله :
” هذا إسناد ضعيف؛ لجهالة الشيخ الذي لم يسم، وأبي صالح مولى عمر؛ فإنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد ” انتهى .
“سلسلة الأحاديث الضعيفة” (9/ 382) .
وينظر : “المسند” ، ط الرسالة (1/295) .

وقد استدل بعض أهل العلم على أصل ذلك المعنى بقوله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) الطور/ 6
قال ابن كثير رحمه الله – بعد أن ذكر اختلاف العلماء في تفسير هذه الآية – :
” … وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ: الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ ، لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ … ” فذكر الحديث المتقدم ، ثم ضعفه .
“تفسير ابن كثير” (7/ 400)
وقال ابن القيم – بعد أن ذكر الحديث- :
” وَهَذَا أحد الأقوال فِي قَوْله عز وَجل (وَالْبَحْر الْمَسْجُور) أنه الْمَحْبُوس، حَكَاهُ ابْن عَطِيَّة وَغَيره ” انتهى من “مفتاح دار السعادة” (1/ 204)

ولكن لا يلزم من تفسير الآية بهذا القول ، إن صح ذلك : إثبات أن يكون البحر يستأذن ربه تعالى ، كل ليلة ، أن يغرق أهل الأرض ، والله تعالى يمنعه من ذلك ؛ بل يكفي في إثبات أصل ذلك المعنى : أن يكون البحر مملوءا بالماء ، ولولا الله تعالى ، بمنه وكرمه ، لفاض على أهل الأرض ، وفي ذلك بيان المنة وتمام النعمة .
كما هو شأنه تعالى ، بلطفه وقدرته ، في أمر السماء والأرض ؛ قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) فاطر/41 .
قال السعدي رحمه الله :
” (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) أي: المملوء ماء، قد سجره الله، ومنعه من أن يفيض على وجه الأرض، مع أن مقتضى الطبيعة، أن يغمر وجه الأرض، ولكن حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان، ليعيش مَن على وجه الأرض، مِن أنواع الحيوان .
وقيل: إن المراد بالمسجور، الموقد الذي يوقد نارا يوم القيامة، فيصير نارا تلظى، ممتلئا على عظمته وسعته من أصناف العذاب ” انتهى من “تفسير السعدي” (ص 813)

ثانيا :
أما استئذان السماء أن تنطبق على الأرض ، أو تحصب أهلها ، واستئذان الأرض أن تنخسف بهم : فلا نعلم عليه دليلا ، ولكن ذكر ذلك بعض أهل العلم ، فقال ابن القيم رحمه الله :
” فَالسَّمَاءُ تَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا أَنْ تَحْصِبَهُ، وَالْأَرْضُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تَخْسِفَ بِهِ، وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُغْرِقَهُ، كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أَنْ يُغْرِقَ ابْنَ آدَمَ، وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تُعَاجِلَهُ وَتُهْلِكَهُ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يَقُولُ: دَعُوا عَبْدِي، فَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ، إِذْ أَنْشَأْتُهُ مِنَ الْأَرْضِ، إِنْ كَانَ عَبْدَكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فَمِنِّي وَإِلَيَّ، عَبْدِي ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنْ أَتَانِي لَيْلًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ أَتَانِي نَهَارًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ مَشَى إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ، وَإِنِ اسْتَقَالَنِي أَقَلْتُهُ، وَإِنْ تَابَ إِلَيَّ تُبْتُ عَلَيْهِ، مَنْ أَعْظَمَ مِنِّي جُودًا وَكَرَمًا، وَأَنَا الْجَوَادُ الْكَرِيمُ؟ عَبِيدِي يَبِيتُونَ يُبَارِزُونَنِي بِالْعَظَائِمِ، وَأَنَا أَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ، وَأَحْرُسُهُمْ عَلَى فُرُشِهِمْ، مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَنْ تَرَكَ لِأَجْلِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ الْمَزِيدِ، وَمَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وَقُوَّتِي أَلَنْتُ لَهُ الْحَدِيدَ، وَمَنْ أَرَادَ مُرَادِي أَرَدْتُ مَا يُرِيدُ، أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقْنِطُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي، إِنْ تَابُوا إِلَيَّ فَأَنَا حَبِيبُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ، أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ، لِأُطَهِّرَهَمْ مِنَ الْمَعَايِبِ ) ” انتهى من “مدارج السالكين” (1/ 430-431)

وليس في الحديث – على ضعفه – إلا استئذان البحر .
قال الشيخ الألباني رحمه الله :
” ذكره ابن القيم من رواية الإمام أحمد في “مدارج السالكين” (1/ 432-433) بلفظ:
( ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم، والملائكة تستأذنه أن تعالجه وتهلكه، والرب تعالى يقول: دعوا عبد ي فأنا أعلم به ) الحديث بطوله، وفي آخره: ( أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري … ).
وفي اعتقادي أن عزوه لأحمد في “المسند” بهذا الطول خطأ، وعليه لوائح الإسرائيليات. والله أعلم ” انتهى مختصرا .
“سلسلة الأحاديث الضعيفة” (9/ 383) .
وينظر : “التعليق على الوابل الصيب” ، عبد الرحمن بن قايد (158) .

والخلاصة :
أننا لا نعلم دليلا صحيحا يدل على أن البحر يستأذن ربه ليغرق أهل الأرض ، أو الكافرين منهم ، وأن الأرض تستأذن ربها لتنخسف بهم ، وأن السماء تستأذن ربها لتنطبق عليهم .
ومثل هذا من الغيب الذي لا سبيل إلى علمه إلا بالخبر المعصوم من الكتاب أو السنة الصحيحة .

والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized