هل له قتل من اغتصبه ؟

السؤال : أنا تعرض للاغتصاب علي يد شخص وسببت لي معاناه نفسيه وأريد قتله وإذا قتلته علي فعلته بماذا يعاقبني الله وقتلي له عمد هل مخلد بالنار ام لا ؟ لا تجادلني علي شرفي بأن أذهب لطبيب نفسي ولست خائف من السجن أو حكم علي بالقتل سؤالي يعلم الله على نيتي لماذا قتلته ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

الاغتصاب جريمة عظيمة منكرة، وصاحبها مستحق للعقوبة الأليمة في الدنيا، معرض للعذاب الشديد في الآخرة؛ إذ الزاني يرجم إن كان محصنا ويجلد إن كان غير محصن، واللائط يقتل رجما أو إلقاء من شاهق، فإذا انضاف إلى ذلك الإكراه والقهر، كان أعظم إثما وجرما.

وإن صاحب ذلك حمل السلاح والتهديد به، دخل ذلك في الحرابة؛ كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم (72338),

والواجب على من أريد اغتصابه، رجلا كان أو امرأة أن يدفع عن نفسه بما يستطيع، فإن الدفاع عن العرض واجب لا خلاف فيه. فيدفع عن نفسه، ولو أدى ذلك إلى قتل المغتصب ، فإن قتل المعتدي فهو في النار ، وإن قتل المظلوم كان شهيدا، وهذا يدل على محبة الله لدفاع الإنسان عن عرضه وشرفه.

روى أحمد (1652) والنسائي (4094) والترمذي (1421) عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ).

قال في تحفة الأحوذي (4/ 566) : ” (وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ) أَيْ فِي الدَّفْعِ عَنْ بُضْعِ حَلِيلَتِهِ أَوْ قَرِيبَتِهِ” انتهى.

ومثله الدفع عن عرض نفسه.

قال ابن قدامة رحمه الله: ” قال أحمد في امرأة أرادها رجل على نفسها، فقتلته لتحصن نفسها، فقال: إذا علمت أنه لا يريد إلا نفسها، فقتلته لتدفع عن نفسها، فلا شيء عليها. وذكر حديثا يرويه الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عبيد بن عمير، أن رجلا أضاف ناسا من هذيل، فأراد امرأة على نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبدا [أي لا تدفع ديته].

ولأنه إذا جاز الدفع عن ماله الذي يجوز بذله وإباحته، فدفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة التي لا تباح بحال أولى.

إذا ثبت هذا، فإنه يجب عليها أن تدفع عن نفسها إن أمكنها ذلك؛ لأن التمكين منها محرم، وفي ترك الدفع نوع تمكين” انتهى من المغني (9/ 183).

وما قيل في المرأة إذا أريد انتهاك عرضها، يقال في الرجل، بل هو أولى.

وعلى هذا فلو أنك دفعت، وقاومت من أراد اغتصابك ، حتى أدى ذلك لقتله : لم يكن عليك شيء؛ لوجوب دفع الصائل على العرض.

ثانيا:

المكره المغتصب الذي عجز عن الدفاع عن نفسه لضعفه أو لصغره أو غير ذلك، معذور لا إثم عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه (2033) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.

وهو مظلوم مبتلى ينتظر الأجر والعوض من الله تعالى، كما أن الظالم ينتظر المقت والعقوبة.

ودعاء المظلوم على ظالمه مستجاب، كما قال صلى الله عليه وسلم : (وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) رواه البخاري (1496).

وقال صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ، تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِي ، لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ) رواه أحمد (8030)، وصححه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند.

ثالثا:

ما ذكرناه عن مدافعة الصائل ولو أدى إلى قتله، هو في حال صياله أي اعتدائه.

أما بعد ذلك، فإن إقامة الحدود إلى السلطان ، أو من ينيبه .

ولو ترك ذلك للناس ، لعمت الفوضى والفساد، ولأمكن كل من يريد قتل إنسان أن يدعي أنه اعتدى على عرضه ونحو ذلك.

قال القرطبي رحمه الله: “لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص ، وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن اللّه سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود” انتهى من تفسير القرطبي (2/ 245).

فلو أنك قمت الآن بقتل هذا المعتدي ، لكنت آثما، معرضا نفسك للقتل أو السجن.

فاتق الله تعالى، واصبر واحتسب، وأشغل نفسك بطاعة الله تعالى، واصرف نفسك عن التفكير في هذا الأمر، وسل الله تعالى أن ينتقم من هذا الباغي، فإنه سبحانه يجيب دعوة المظلوم، وإذا أخذ الظالم لم يفلته، وإن أخذه أليم شديد.

وفقنا الله وإياك لطاعته، ووقانا وإياك الفتن.

والله أعلم.

Category: Uncategorized