هل من النفاق أن أعود إلى الله إذا ابتلاني ؟

الجواب :
الحمد لله
من الأمور التي نحب أن ننبهك عليها ، في أول جوابنا : أن خوف المسلم على نفسه من أن يكون واقعاً في النفاق يدل على حياة قلبه ، وعلى حرصه على إيمانه أن يُخدش ، َقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : ” مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا ” ، وقال الحسن البصري – عن النفاق – : ” مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ ” .
وينظر بيان ذلك ، وأحوال السلف في هذا المقام ، في جواب السؤال رقم : (98351) .
ونصيحتنا لك ـ يا أمة الله ـ أن تستمري في مجاهدة نفسك وقلبك ، كي تبلغي مقام محبة الله سبحانه ، ومقام اليقين الذي يعين العبد على مصائب الدنيا وأكدارها .
وأول المجاهدة : أن تعودي نفسك الطاعة ، وتتجنبي المعصية ، فالطاعات أساس الصلة بالله سبحانه ، والمعاصي هي القواطع التي تجفف الروح ، وتقسي القلب ، فتؤدي إلى الجفاء والغفلة ، وإذا اجتمعت وتراكمت تعسر علاجها ، وشق دواؤها ، فالله عز وجل يقول : ( كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) يونس/74، وقال عز وجل : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) محمد/24، ويقول عز وجل : ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) المطففين/14.
ولهذا ؛ فإن المؤمن يسعى دائما في تطهير قلبه عن ران القلوب ، فيجلوه بالذكر ، ويرطبه بالدعاء ، ويغذيه بالخلق الحسن والعمل الصالح ، ويحافظ على هذا السمت ما شاء الله من الزمان ، حتى يغدو الصلاح والتقى سجية من سجايا النفس التي لا تنفك عنها بحال من الأحوال ، فيبلغ العبد مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات ، يقول الله عز وجل : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) الفتح/4.
وليس من النفاق أن يلجأ الإنسان إلى الله عز وجل في الضراء وفي الشدة ، إذا حافظ على صلته الواجبة بربه سبحانه وتعالى في السراء والرخاء ، ولو تفاوتت الصلة بالله سبحانه بين الحالين ، فالتفاوت ضرورة لا تنكر ، والنفس لا تكاد تملك الثبات على حال واحد في التعلق بالله تعالى ، بل لا يكاد يخلو أحد من فتور وضعف ، لكن المهم أن يحتفظ بالحد الأدنى الواجب الذي أمره الله عز وجل به ، وهو المحافظة على فرائضه ، وتسليم الشأن كله لله .
فأما إن كان فتوره وضعفه نزولا عن الحد الواجب من أداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، فهذه هي الحال التي لا شك في ذمها ، ووهن حال صاحبها ، ولا شك أنه على خطر عظيم من أمره ودينه ، وهذا هو الذي يخشى عليه من أن يبتلى بالنفاق ، بل هذا هو النفاق العملي ، خاصة إذا كان يصاحبه قول حسن ، ومظهر مقبول .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فَإِنَّ لِكُلِّ عَابِدٍ ـ وفي رواية : لكل عمل ـ شِرَّةً ـ وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ، فَإِمَّا إِلَى سُنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى بِدْعَةٍ ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ ، فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) رواه أحمد (6477) وغيره ، وصححه الألباني .
وفي رواية لأحمد أيضا (6539) : ( فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى اقْتِصَادٍ وَسُنَّةٍ فَلِأُمٍّ مَا هُوَ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى الْمَعَاصِي، فَذَلِكَ الْهَالِكُ ) .
قال السندي: “الظاهر أن الأمّ بضم الهمزة وتشديد الميم بمعنى الأصل، و”ما” للإبهام، قصد به إفادة التعظيم، أي: فهو لأم ما، أي: فهو إلى أصل عظيم رجع، وقيل: بفتح الهمزة، بمعنى قصد الطريق المستقيم انتهى . “حاشية المسند” ، ط الرسالة (11/99) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
” فَتَخَلُّلُ الْفَتَرَاتِ لِلسَّالِكِينَ: أَمْرٌ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ. فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى مُقَارَبَةٍ وَتَسْدِيدٍ ، وَلَمْ تُخْرِجْهُ مِنْ فَرْضٍ ، وَلَمْ تُدْخِلْهُ فِي مُحَرَّمٍ : رَجَا لَهُ أَنْ يَعُودَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ .
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ : إِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَخُذُوهَا بِالنَّوَافِلِ ، وَإِنْ أَدْبَرَتْ فَأَلْزِمُوهَا الْفَرَائِضَ .
وَفِي هَذِهِ الْفَتَرَاتِ وَالْغُيُومِ وَالْحُجُبِ، الَّتِي تَعْرِضُ لِلسَّالِكِينَ: مِنَ الْحِكَمِ مَا لَا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ .
فَالْكَاذِبُ: يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . وَيَعُودُ إِلَى رُسُومِ طَبِيعَتِهِ وَهَوَاهُ .
وَالصَّادِقُ: يَنْتَظِرُ الْفَرَجَ . وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. وَيُلْقِي نَفْسَهُ بِالْبَابِ طَرِيحًا ذَلِيلًا مِسْكِينًا مُسْتَكِينًا، كَالْإِنَاءِ الْفَارِغِ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ، يَنْتَظِرُ أَنْ يَضَعَ فِيهِ مَالِكُ الْإِنَاءِ وَصَانِعُهُ مَا يَصْلُحُ لَهُ، لَا بِسَبَبٍ مِنَ الْعَبْدِ – وَإِنْ كَانَ هَذَا الِافْتِقَارُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ – لَكِنْ لَيْسَ هُوَ مِنْكَ. بَلْ هُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْكَ بِهِ. وَجَرَّدَكَ مِنْكَ. وَأَخْلَاكَ عَنْكَ. وَهُوَ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.
فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ أَقَامَكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْحَمَكَ وَيَمْلَأَ إِنَاءَكَ، فَإِنْ وَضَعْتَ الْقَلْبَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَلْبٌ مُضَيِّعٌ. فَسَلْ رَبَّهُ وَمَنْ هُوَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ: أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْكَ وَيَجْمَعَ شَمْلَكَ بِهِ.” انتهى ، من “مدارج السالكين” (3/122) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” الممدوح هو القسم الثالث ، وهم الذين يدعونه ، ويتوبون إليه ، ويثبتون على عبادته ، والتوبة إليه في حال السراء ، فيعبدونه ويطيعونه في السراء والضراء ، وهم أهل الصبر والشكر ، كما ذكر ذلك عن أنبيائه عليهم السلام ، فقال تعالى : ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) [الأنبياء: 87، 88] ” .
انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (14/372) .
وقد سبق في موقعنا العديد من الإجابات التي فيها إرشاد إلى الأذكار والرقى الثابتة في السنة النبوية ، والتي تعين المسلم في يومه وليلته على شؤون قلبه ونفسه وعمله ، يمكنك مراجعتها في الأرقام الآتية : (210410) ، (106614) ، (114539) ، (106426) .
غير أن الأهم دائما هو تربية ملكة الطمأنينة والثبات ، فهي ملكة تحتاج إلى قدر كبير من التصبر والتعلم ، تتحصل من خلال استيقان الثقة بالله أكثر فأكثر ، وحسن التوكل عليه ، واليقين التام بأن هذه الدنيا جبلت على الأكدار ، مع الإكثار من القراءة في سير الأنبياء ، والأئمة والصالحين ، الذين نتعلم منهم كل ثبات وطمأنينة .
وقبل ذلك كله نستحضر سيرة سيد المطمأنين ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث كان دائم البشر ، يحب التفاؤل ، ثابت القلب ، رغم علمه عن الله ما لا نعلم ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( لو تعلمون ما أعلم …. )، ومع ذلك عاش أيامه عيشة اليسر والسهولة ، مقبلا على أمته ، مطمئنا في بيته وأسرته ، مجتهدا في عمله ودعوته ، لا يلتفت إلى وسواس شيطان أو فتور نفس ، ليضرب لنا المثل الأعلى عليه الصلاة والسلام في نموذج الحياة المثلى التي يمكن أن يحياها كل منا ، بالطمأنينة والسكينة واليقين .
يقول ابن القيم رحمه الله في شرح منزلة ” السكينة ” من منازل السالكين إلى الله :
” هذه المنزلة من منازل المواهب ، لا من منازل المكاسب ، وقد ذكر الله سبحانه السكينة في كتابه في ستة مواضع :
الأولى : قوله تعالى : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) البقرة/248.
الثاني : قوله تعالى : ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) التوبة/26.
الثالث : قوله تعالى : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) التوبة/40.
الرابع : قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ) الفتح/4.
الخامس : قوله تعالى : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) الفتح/18.
السادس : قوله تعالى : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الفتح/26.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور : قرأ آيات السكينة . وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها ، من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك ، في حال ضعف القوة قال : فلما اشتد علي الأمر قلت لأقاربي ومن حولي : اقرأوا آيات السكينة قال : ثم أقلع عني ذلك الحال ، وجلست وما بي قَلَبَة .
وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرد عليه ، فرأيت لها تأثيرا عظيما في سكونه وطمأنينته .
وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف ، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ، ويوجب له زيادة الإيمان ، وقوة اليقين ، والثبات ، ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب كيوم الهجرة ، إذ هو وصاحبه في الغار ، والعدو فوق رءوسهم ، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما ، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار ، لا يلوي أحد منهم على أحد ، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم ، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس ، وحسبك بضعف عمر رضي الله عنه عن حملها ، وهو عمر ، حتى ثبته الله بالصدِّيق رضي الله عنه .
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : ” رأيت النبي ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلدة بطنه وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا
وفي صفة رسول الله في الكتب المتقدمة : ” إني باعث نبيا أميا ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، ثم أجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ” انتهى باختصار من ” مدارج السالكين ” (2/502-504) .
وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (223789) ، ورقم : (207858) .
والله أعلم .

Category: Uncategorized