هل يجوز إضافة العشق أو الاشتياق إلى الله ؟

السؤال : هل يجوز ما يقوله بعضهم : إنهم لله عاشقون ، بل ينشرون ” إنا لله وإنا إليه عاشقون ” ؟ وهل يجوز أن يقال : إن الله يشتاق لسماع صوت أحدهم فلذلك يبتليه ، فهل “يشتاق” هنا جائزة في هذا السياق ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

لا يجوز أن يضاف العشق إلى الله، فلا يقال: الله يعشق، ولا يقال: فلان يعشق الله.

قال ابن القيم رحمه الله: “وقد اختلف الناس هل يطلق هذا الاسم في حق الله تعالى:

فقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه ، وذكروا فيه أثرا لا يثبت، وفيه: “فإذا فعل ذلك عشقني وعشقته”.

وقال جمهور الناس: لا يطلق ذلك في حقه سبحانه وتعالى، فلا يقال: إنه يعشق، ولا يقال: عشقه عبدُه.

ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال:

أحدها: عدم التوقيف، بخلاف المحبة.

الثاني: أن العشق : إفراط المحبة، ولا يمكن ذلك في حق الرب تعالى، فإن الله تعالى لا يوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبه، فضلا أن يقال أفرط في حبه.

الثالث: أنه مأخوذ من التغير، كما يقال للشجرة المذكورة عَاشَقة، ولا يطلق ذلك على الله سبحانه وتعالى” انتهى من روضة المحبين، ص46

والشجرة المذكورة : هي شجرة يقال لها : عاشقة ، تخضر ، ثم تدق ، وتصفر . قال الزجاجي : واشتقاق العاشق من ذلك . كذا ذكره ابن القيم قبل كلامه بصفحتين .

 

وقال رحمه الله : “ولما كانت المحبة جنسا تندرج تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف : كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى: ما يختص به ، ويليق به، كالعبادة والإنابة والإخبات، ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق، والغرام، والصبابة، والشغف، والهوى .

وقد يذكر لها لفظ المحبة، كقوله: {يحُبُّهُمْ وَيحُبُّونِهُ} [المائدة: 54] وقوله {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبْبِكْمْ اللهُ} [آل عمران: 31] ، وقوله {وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبا للهِ} [البقرة: 165] ” انتهى من إغاثة اللهفان (2/ 133).

 

ومن أهل العلم من منع ذلك لعلة أخرى ، وهي أن “العشق” إنما يكون لما يُنكح.

قال ابن الجوزي رحمه الله: ” قَالَ القاضي أَبُو يَعْلَى: وَقَدْ ذهبت الحلولية إلا أن اللَّه عز وجل يعشق.

قَالَ المصنف: وهذا جهل من ثَلاثَة أوجه:

أحدهما: من حيث الاسم، فَإِن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما يُنكح.

والثاني: أن صفات اللَّه عز وجل منقولة، فهو يُحَب، ولا يقال: يُعشق، ويحِب ولا يقال: يَعشق، كَمَا يقال يعلم ، ولا يقال يعرف.

والثالث: من أين لَهُ أن اللَّه تعالى يحبه، فهذه دعوى بلا دليل” انتهى من “تلبيس إبليس” ص153

 

وقالَ ابنُ أبي العزِ الحنفي رحمه الله في شرح الطحاوية (1/166) عند ذكرهِ لمراتبِ المحبة: ” السابعةُ: العشق، وهو الحبُّ المُفرطُ الذي يُخافُ على صاحبهِ منه .

ولكن لا يُوصفُ به الربُّ تعالى، ولا العبدُ في محبةِ ربهِ، وإن قد أطلقهُ بعضهم.

واختُلِفَ في سببِ المنعِ، فقيل: عدمُ التوقيفِ، وقيل غيرُ ذلك .

ولعل امتناعَ إطلاقهِ : أن العشقَ محبةٌ مع شهوةٍ ” انتهى.

 

ثانيا:

لم يثبت نسبة لفظ الشوق في حق الله تعالى .

وقد ورد في أثر رواه الديلمي في مسنده “الفردوس” عن أبي الدرداء رضي الله عنه: يقول الله عز وجل: “طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إليهم أشد شوقا”.

ذكره الغزالي في الإحياء، وقال عنه الحافظ العراقي: “لم أجد له أصلا ، إلا أن صاحب الفردوس خرجه من حديث أبي الدرداء ، ولم يذكر له إسنادا” انتهى من تخريج الإحياء، ص883

 

وقال ابن القيم رحمه الله في طريق الهجرتين، ص328: ” هل يجوز إطلاقه على الله ؟

فهذا مما لم يرد به القرآن ولا السُّنَّة ، بصريح لفظه.

قال صاحب “منازل السائرين” وغيره: وسبب ذلك أن الشوق إنما يكون لغائب.

ومذهب هذه الطائفة : إنما قام على المشاهدة، ولهذا السبب عندهم لم يجيء في حق الله ، ولا في حق العبد.

وجوزت طائفة إطلاقه كما يطلق عليه سبحانه، المحبة .

ورووا في أثر أنه يقول: “طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشوق”.

قالوا: وهذا الذى تقتضيه الحقيقة، وإن لم يرد به لفظ صريح، فالمعنى حق، فإن كل محب فهو مشتاق إلى لقاء محبوبه.

قالوا: وأما قولكم: إن الشوق إنما يكون إلى الغائب ، وهو سبحانه لا يغيب عن عبده ، ولا يغيب العبد عنه ؟

فهذا حضور العلم، وأما اللقاءُ والقرب فأمر آخر، فالشوق يقع بالاعتبار الثاني، وهو قرب الحبيب ، ولقاؤه ، والدنو منه، وهذا له أجل مضروب لا يُنال قبله.

قال تعالى: {مَن كَانَ يرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ} [العنكبوت: 5] .

قال أبو عثمان الحيرى: هذا تعزية للمشتاقين، معناه: أنى أعلم أن اشتياقكم إليّ غالب، وأنا أجلت للقائكم أجلاً، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه.

 

والصواب أن يقال: إطلاقه [اللفظ] متوقف على السمع [يعني على وروده في الكتاب والسنة] ، ولم يرد به، فلا ينبغي إطلاقه.

وهذا كلفظ العشق أيضاً، فإنه لما لم يرد به سمع فإنه يمتنع إطلاقه عليه سبحانه.

واللفظ الذى أطلقه سبحانه على نفسه ، وأخبر به عنها : أتم من هذا ، وأجل شأْناً : وهو لفظ المحبة…

ولم يصف نفسه بغيرها ، من العلاقة ، والميل ، والصبابة ، والعشق ، والغرام ، ونحوها .

فإن مسمى المحبة أشرف وأكمل من هذه [المسميات] ، فجاء في حقه إطلاقه دونها.

وهذه [المسميات] لا تنفك عن لوازم ، ومعان ، تنزه تعالى عن الاتصاف بها .

وهكذا جميع ما أطلقه على نفسه ، من صفاته العلى : أكملُ معنى ، ولفظاً ، مما لم يطلقه” انتهى.

 

وعليه :

فلا يقال: إن الله يشتاق إلى كذا، بل يعبر بلفظ المحبة، فيما يُعلَم أن الله تعالى يحبه.

 

والله أعلم.

ملخص الجواب : 

لا يقال: إن الله يشتاق إلى كذا، بل يعبر بلفظ المحبة، فيما يُعلَم أن الله تعالى يحبه.

Category: Uncategorized