هل يجوز العمل بـ” الحديث المرسل ” في أحكام الشريعة ؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
” الحديث المرسل ” هو ذلك الحديث الذي يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الصحابي في سنده .
راجع جواب السؤال رقم : (130686) .
ثانيا :
تقدم في جواب السؤال رقم (112086) بيان أن الأحاديث التي يجب الأخذ بها والاستدلال بها هي الأحاديث المقبولة : الصحيحة أو الحسنة ، أما الأحاديث الضعيفة أو المكذوبة فلا يجوز الاستدلال بها على الحكم الشرعي .
ثالثا :
الحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف ، وليس بحجة عند جماهير أهل العلم بالحديث .
قال الإمام مسلم رحمه الله في “مقدمة صحيحه” (1/12) :
” وَالْمُرْسَلُ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ” انتهى .
وقال ابن أبي حاتم رحمه الله :
” سَمِعْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ يَقُولَانِ : لَا يُحْتَجُّ بِالْمَرَاسِيلِ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ إِلَّا بِالْأَسَانِيدِ الْصِّحَاحِ الْمُتَّصِلَةِ ، وَكَذَا أَقُولُ أَنَا ” انتهى من “المراسيل” (ص: 7) .
وقال الشيخ الألباني رحمه الله :
” عُرف من علم ” مصطلح الحديث ” أن الحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف عند جمهور علماء الحديث ” انتهى من “سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة” (1/ 55) .
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :
” والمرسل ليس بحجة عند جماهير أهل العلم ؛ كما نقل ذلك عنهم الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد ” انتهى من “مجموع فتاوى ابن باز” (4/ 261) .
والعلة في عدم الاحتجاج بالمرسل أن المرسِل لم يذكر لنا عمن أخذ هذا الحديث ؟ هل أخذه عن صحابي ؟ أم أخذه عن رجل مجهول ؟ أم أخذه عن غير ثقة ؟
ومع الاحتمال يسقط الاستدلال .
رابعا :
ذهب كثير من الفقهاء إلى القول بالاحتجاج بالمرسل ، ولكن لهم في ذلك شروط .
قال النووي رحمه الله في تعليقه على كلام الإمام مسلم المتقدم :
” هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ ” .
انتهى من “شرح النووي على مسلم” (1/ 132) .
قال ابن رجب رحمه الله بعد أن ذكر خلاف العلماء في الاحتجاج بالمرسل :
” واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ ، وكلام الفقهاء في هذا الباب ، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا ، وهو ليس بصحيح على طريقتهم ، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث ، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه ، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن.
وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما … وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين” ” انتهى من “شرح علل الترمذي” (1/ 543).

فالمرسل عند المحدثين من أقسام الحديث الضعيف ، وهو كذلك أيضا عند الفقهاء ، لكنه يحتج به عندهم إذا احتف به من القرائن ما يقويه ويدل على أن له أصلا ، كأن يروى من طريق آخر موصول ، أو يُروى من وجه آخر مرسلاً ، أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول ، أو كان العمل عليه ، أو عضده قياس صحيح ، أو قول صاحب ، ونحو ذلك .
قال ابن القيم رحمه الله :
” وَالْمُرْسَلُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ عَمل ، وَعَضّدَهُ قِيَاسٌ ، أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، أَوْ كَانَ مُرْسِلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشُّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عُمِلَ بِهِ ” انتهى من “زاد المعاد” (1/ 367) .
وقال النووي رحمه الله :
” يَحْتَجُّ الشَّافِعِيِّ بِالْمُرْسَلِ إذَا اعْتَضَدَ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ : إمَّا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ، وَإِمَّا مُرْسَلٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ ، وَإِمَّا قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، وَإِمَّا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ” انتهى من “المجموع” (6/ 206) .
وانظر : ” أصول البزدوي ” (ص171) ، ” المنثور” للزركشي ، ” شرح العمدة ” لابن تيمية (1 /296) ، “تهذيب سنن أبي داود” (2 /69) .

فالحاصل : أن الحديث المرسل في ذاته ضعيف لا يحتج به ، لكنه إذا اعتضد بما يقويه ويدل على أن له أصلا : فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى الاحتجاج به ، لا لمجرده ، ولكن لما قارنه من معضدات تقويه ، فلا بأس من ذكره والاحتجاج به حينئذ ؛ حيث ثبت معناه بالقياس أو بقول الصحابي ونحو ذلك .
أما إذا انفرد المرسل بالحكم دون أن يتقوى بعاضد فليس بحجة ، وهو من أقسام الحديث الضعيف .
خامسا :
أما مراسيل الصحابة رضي الله عنهم فهي حجة مطلقا ، قال السرخسي رحمه الله في “أصوله”
(1/ 359):
” وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي مَرَاسِيل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَنَّهَا حجَّة ؛ لأَنهم صحبوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا يَرْوُونَهُ عَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام مُطلقًا يحمل على أَنهم سَمِعُوهُ مِنْهُ أَو من أمثالهم ، وهم كَانُوا أهل الصدْق وَالْعَدَالَة ” انتهى .
وقال ابن القيم رحمه الله :
” اِتَّفَقَتْ الْأُمَّة عَلَى قَبُول رِوَايَة اِبْن عَبَّاس وَنُظَرَائِهِ مِنْ الصَّحَابَة , مَعَ أَنَّ عَامَّتهَا مُرْسَلَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يُنَازِع فِي ذَلِكَ اِثْنَانِ مِنْ السَّلَف وَأَهْل الْحَدِيث وَالْفُقَهَاء ” .
انتهى من “تهذيب سنن أبي داود” (1 /177) .
راجع للفائدة جواب السؤال رقم : (79163) .
والله تعالى أعلم .

Category: Uncategorized