هل يحتسب النفقة التي حكم القاضي بها لمطلقته على خلاف الصواب من دَيْنها الذي لها عليه؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ طَلاَقًا رَجْعِيًّا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَمَا يَلْزَمُهَا لِمَعِيشَتِهَا ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَامِلاً أَمْ غير حامل ، لِبَقَاءِ آثَارِ الزَّوْجِيَّةِ مُدَّةَ الْعِدَّةِ .
“الموسوعة الفقهية” (29/353).
أما إذا كان الطلاق بائنا : فقد اختلف أهل العلم في ذلك : فمنهم من أوجب لها النفقة والسكنى ما دامت في العدة ، وهو قول الحنفية ، ومنهم من أوجب لها السكنى دون النفقة ، وهو قول المالكية والشافعية ، ورواية عند الحنابلة ، ومنهم من لم يوجب لها شيئاً من ذلك ، وهو مذهب الحنابلة .
“الموسوعة الفقهية” (41/57-58) .
والصحيح : مذهب الحنابلة : أنه لا سكنى لها ولا نفقة ؛ لما رواه مسلم (1480) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا قَالَ : (لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ) .
قال ابن قدامة رحمه الله :
“وجُمْلَةُ الْأَمْرِ , أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا , فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا , أَوْ بِخُلْعِ , أَوْ بَانَتْ بِفَسْخٍ , وَكَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى , بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : (لَا نَفَقَةَ لَك إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا) .
وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا [غير حامل] , فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ , وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَعَائِشَةَ , وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَمَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ ; لِلْآيَةِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا سُكْنَى لَهَا , وَلَا نَفَقَةَ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ , وَقَوْلُ عَلِيٍّ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , وَجَابِرٍ , وَعَطَاءٍ , وَطَاوُسٍ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مِنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا , قَوْلُ أَحْمَدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ وَأَحَجُّ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَصًّا صَرِيحًا , فَأَيُّ شَيْءٍ يُعَارِضُ هَذَا إلَّا مِثْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ مُرَادَهُ ؟ وَلَا شَيْءَ يَدْفَعُ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) ” انتهى ملخصا . ” التمهيد (19/151) .
وروى النسائي (3403) عن فَاطِمَة بِنْت قَيْسٍ رضي الله عنها أنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ) صححه الألباني في “صحيح النسائي” .
قال ابن القيم رحمه الله :
” المطلقة البائنة لا نفقة لها ولا سكنى بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها ، بل هي موافقة لكتاب الله ، وهي مقتضى القياس ، وهي مذهب فقهاء أهل الحديث ” انتهى من “إعلام الموقعين” (3 / 378) .
وقال الشيخ السعدي رحمه الله :
“البائن ليس لها سكنى واجبة ؛ لأن السكن تبع للنفقة ، والنفقة تجب للرجعية دون البائن” انتهى من
“تفسير السعدي” (1 / 869) .
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
“المطلقة طلاقا بائنا ليس لها نفقة ولا سكنى ، إلا إذا كانت حاملا فلها النفقة” انتهى من
“فتاوى اللجنة الدائمة” (20 / 227) .
وعلى هذا؛ فلا نفقة لها عليك إذا كان الطلاق بائناً .
ثانيا :
لا يجوز التحاكم إلى المحاكم الوضعية ، إلا إذا اضطر المسلم لذلك ، ولم يمكن دفع الظلم عن نفسه ، أو استرداد حقه إلا عن طريق هذه المحاكم ، ولو حكم القاضي فيها بغير الحق أو أكثر من حق فلا يحل له أخذه ، وإنما يأخذ حقه فقط .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
ما حكم تحكيم القضاء الأمريكي في النزاع بين المسلمين في أمور الطلاق ، والتجارة ، وغيرها من الأمور ؟ .
فأجابوا :
“لا يجوز للمسلم التحاكم إلى المحاكم الوضعية ، إلا عند الضرورة ، إذا لم توجد محاكم شرعية ، وإذا قضي له بغير حق له : فلا يحل له أخذه” انتهى من “فتاوى اللجنة الدائمة” (23/502) .
ثالثا :
أما ما يتعلق بالحكم الذي ألزمك القاضي به وهو دفع النفقة لمطلقتك ، فالذي يظهر أنه يلزمك دفع هذه النفقة لها ، ولا يجوز احتسابها من الدين الذي لها .
وذلك لأن الحكم بالنفقة والسكنى للبائن هو قول الأحناف كما تقدم ، والقول بوجوب السكنى لها هو قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد ، فقد يكون القاضي أخذ بأحد هذين المذهبين ، والظاهر: أنه أخذ بمذهب مالك ، لأنه هو المتبع في بلدكم .
وحكم القاضي في المسائل الاجتهادية يرفع الخلاف ، ويكون ملزماً للطرفين ، وذلك قطعاً للنزاع، وإنهاءً للخصومة .
ونذكرك بقول الله تعالى : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فحتى في حال الطلاق أمر الله تعالى بالمعاملة بالفضل والإحسان والعفو .
ونسأل الله تعالى أن يخلف عليك خيراً .
والله أعلم

Category: Uncategorized