هل يرث مال ولده الناتج من بيع المخدرات وهل يحج به عنه أو يبني به مسجدا له؟

السؤال : كان لديّ شقيقٌ ، تُوفّي مؤخراً في حادث سيارةٍ ، جمع ماله بطرقٍ محرّمةٍ (بيع المخدرات) ، سيرث أبي الآن ثروته ، هل هذا الميراث حلالٌ لوالدي؟ وفقاً لبعض الإجابات على الموقع هو حرامٌ فقط لمن يكتسب المال، ولكن ربما أنا لم أفهم جيداً ، أبي يريد بناء مسجدٍ من الميراث باسم أخي ، والذهاب إلى الحج عنه ، هل يجوز ذلك ؟ وأريد أن أتصدّق عنه ، فهل يجوز إعطاء المال لأحدٍ ليأخذ دروساً في القرآن الكريم ، والأجر يكون لأخي ؟ أم يجب أن أشتري قرآناّ وأتصدق به عنه؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

المال الحرام نوعان:

الأول: ما كان محرما لعينه، كالمال المسروق والمغصوب، فهذا لا يورث اتفاقا، بل يلزم رده إلى صاحبه إن عرف، وإلا تُصدق به على نية صاحبه.

والثاني: ما كان محرما لكسبه، كالمأخوذ في معاوضات محرمة أو على أعمال محرمة، كالمال الناتج عن بيع الخمر والمخدرات، والمأخوذ مقابل العمل في البنوك الربوية وصالات القمار والغناء المحرم ونحو ذلك.

وقد اختلف الفقهاء في هذا المال هل يورث أم لا ؟ بناء على أنه : هل يحرم على الكاسب فقط ويحل لمن أخذه منه بوجه مباح ، كهبة أو انتقل إليه بإرث، أم أنه يحرم على الكاسب وغيره؟

 

والراجح القول الأول، وأنه يحل لمن أخذه أو انتقل إليه بوجه مباح .

وعليه فلا حرج في تملك والدك لهذا المال بالإرث.

قال العلامة محمد عليش المالكي رحمه الله: ” واختلف في المال المكتسب من حرام، كربا ومعاملة فاسدة، إذا مات مكتسبه عنه: فهل يحل للوارث؟ وهو المعتمد، أم لا؟

وأما عين الحرام المعلوم مستحقه، كالمسروق والمغصوب: فلا يحل له “. انتهى من ” منح الجليل شرح مختصر خليل ” (2/ 416).

 

ثانيا:

حيث انتقل المال بالإرث إلى والدك، فله أن يتصرف فيه كما يشاء من التصرفات المباحة، ومن ذلك أن يبني به مسجدا لنفسه، أو يجعل ثوابه لابنه ، أو يحج به لنفسه، أو عن ابنه ، أو يعطيه لمن يحج به عنه، إلى غير ذلك من التصرفات المستحبة أو المباحة، فالمال ماله، وله التصرف فيه بما يحب.

 

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في أموال المرابي: ” أما بالنسبة لأولاده : فلا حرج عليهم أن يأكلوا منه في حياة أبيهم ويجيبوا دعوته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة اليهود مع أنهم يأكلون الربا.

وأما إذا ورثوه من بعده فهو لهم حلال؛ لأنهم ورثوه بطريقة شرعية، وإن كان هو حراماً عليه، لكن هم كسبوه بطريق شرعي بالإرث، وإن تبرعوا وتصدقوا به عن أبيهم : فلعل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه الصدقة تمحو ما قبلها من السيئات ” “لقاء الباب المفتوح” (181/ 19).

 

ثالثا:

يجوز أن تتصدقي عن أخيك بإعطاء مال لمن يحتاجه ليتمكن من تعلم أو حفظ القرآن الكريم ويكون الثواب لأخيك، كما يجوز أن تشتري بالمال مصاحف تجعلينها وقفا أو صدقة للفقراء، ويكون الثواب لأخيك.

والصدقة عن المتوفى عمل صالح يصله إن شاء الله؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) رواه مسلم (1631).

وروى مسلم (1630) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالا وَلَمْ يُوصِ ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) .

 

وروى مسلم أيضاً (1004) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ( أي : ماتت فجأة ) ، وَإِنِّي أَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، فَلِي أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ).

 

قال النووي رحمه الله :” وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الصَّدَقَة عَنْ الْمَيِّت وَاسْتِحْبَابهَا ، وَأَنَّ ثَوَابهَا يَصِلهُ وَيَنْفَعهُ ، وَيَنْفَع الْمُتَصَدِّق أَيْضًا ، وَهَذَا كُلّه أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ” انتهى .

والله أعلم .

Category: Uncategorized