هل يقتل عيسى عليه الصلاة والسلام القردة في آخر الزمان؟

السؤال : أخرج الطبرانى رحمه الله من طريق محمد بن عيسى بن سميع حدثني روح بن القاسم عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبى هريرة عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم في الأرض حكما عدلا وقاضيا مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير والقرد ، وتوضع الجزية ، وتكون السجدة كلها واحدة لله رب العالمين ) زاد والقرد ! ، قال ابن حجر رحمه الله في “فتح الباري” عن الحديث : إسناده لا بأس به ، فهل اسناد هذه الرواية لا بأس به ؟ فهي شاذة عن الروايات الصحيحة التي ليس فيها زيادة والقرد ، وإن كان كما يقول ابن حجر رحمه الله إن اسنادها لا بأس به ، فهل نستطيع أن نستنبط من هذه الرواية إن صحت جواز قتل القرد أو استحباب قتله أو وجوب قتله ، كما الخنزير الذي استحب بعض أهل العِلم قتله ، وبعضهم أوجب ؛ لأن عيسى عليه السلام آخر الزمان يقتله ؟

الجواب : 

الحمد لله

أولاً:

روى البخاري (2109) ، ومسلم (155) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ).

وقد رُوي هذا الحديث من طرق كثيرة عن أبي هريرة ليس في شيء منها لفظ ” القرد”.

ورواه البزار في مسنده (16/11)، والطبراني في “المعجم الأوسط” (2/89) من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح،  عن أبي هريرة رضي الله عنه،  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ينزل عيسى ابن مريم حكماً مقسطاً، وإماماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير والقردة، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين).

وهذه الزيادة تفرد بها : عاصم بن بَهْدَلة بن أبي النَّجُود، وهو وإن وثَّقه جمعٌ من الأئمة إلا أنه متكلم في حفظه وضبطه .

قال الذهبي “ميزان الاعتدال” (2/357):

” هو عاصم بن بهدلة الكوفي، مولى بنى أسد، ثَبْتٌ في القراءة، وهو في الحديث دون الثَّبْت، صدوقٌ يَهم.

قال يحيى القطان: ما وجدت رجلا اسمه عاصم ، إلا وجدته ردئ الحفظ.

وقال النسائي: ليس بحافظ .

وقال الدارقطني: في حفظ عاصم شيء .

وقال أبو حاتم: محله الصدق .

وقال ابن خراش: في حديثه نُكرة .

قلت: هو حَسَنُ الحديث.

وقال أحمد وأبو زرعة: ثقة .

قلت: خرَّج له الشيخان ، لكن مقروناً بغيره ، لا أصلا وانفرادا” انتهى .

وقال ابن أبي حاتم  في “الجرح والتعديل” (6/341): “سألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة؟

فقال: ثقة.

 فذكرته لأبي، فقال: ليس محله هذا أن يقال هو ثقة، وقد تكلم فيه ابن عُليَّة، فقال: كأن كل من كان اسمه عاصما سيئ الحفظ.

وذكر أبي عاصم بن أبي النجود فقال: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ” انتهى بتصرف يسير.

وقال ابن سعد في ” الطبقات” (8/ 438): ” وكان عاصم ثقة ، إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه” انتهى .

وقال عنه الحافظ في “تقريب التهذيب” (2/285) : “صدوق له أوهام ، حجة في القراءة” انتهى

وينظر: ” تهذيب الكمال في أسماء الرجال” (13/473).

ومن هذه حاله لا يقبل منه ما تفرد به دون سائر الرواة الثقات، ولذا تكون هذه اللفظة التي زادها شاذة ، لا يلتفت  إليها ، ولا يبنى عليها شيء من الأحكام .

وبه يتبين أن قول الحافظ في “الفتح” (6/491) عن هذه الرواية  : “وإسناده لا بأس به”، محل نظر.

هذا ، مع أن كون الإسناد : لا بأس به ، لا يعني سلامة المتن من “الشذوذ” ، ولا الحكم بقبوله مطلقا ، كما هو معلوم.

ويكفي تأكيداً على شذوذها أن كل الأحاديث الواردة في نزول المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام آخر الزمان – وهي أحاديث متواترة- تخلو من هذه اللفظة .

وقد رواه عاصم أيضا ، عن أبي هريرة ، من قوله .

قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله ، بعد ما روى اللفظ المحفوظ للحديث:

” وروي عن أبي صالح ، عن أبي هريرة شيء منه ، قوله . ”

ثم رواه بإسناده : ” … عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال :

لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم إماما عادلا ، وقاضيا مقسطا ، حتى الإمارة ، حتى يقتل الخنزير والقردة ، وحتى يكسر الصليب وتكون السجدة لله رب العالمين . وذكر الحديث ” .

انتهى من “تاريخ دمشق” (47/499) .

ورواه الذهبي أيضا ، في ترجمة أبي النضر ، هاشم بن القاسم – وهو راوي الحديث عند ابن عساكر أيضا – ، ثم قال : ” لم يرفعه ” انتهى من “تذكرة الحفاظ” (1/263) .

وهذا مما يدل على أن عاصما لم يضبط الحديث ، وأنه اضطرب في هذه الزيادة التي تفرد بها ، فمرة يرفعها ، ومرة يوقفها . 

ثانياً:

ليس في النصوص الشرعية ما يدل على مشروعية قتل القردة ، وهي من الحيوانات التي يحرم أكلها ، فلا يشرع قتلها ، إلا إذا كانت مؤذية أو ضارة.

قال الشيخ ابن عثيمين : “وإذا كانت هذه القرود مؤذية : فإنها يسن قتلها ؛ لأن كل مؤذٍ لبني آدم فإن المشروع قتله، أما إذا كانت غير مؤذية فإنه لا يتعرض لها، فليدعها” انتهى من “فتاوى نور على الدرب” (24/ 2، بترقيم الشاملة آليا).

وجاء في “فتاوى اللجنة الدائمة” (26/191) : ” لا مانع من قتل المؤذي منها بطريقة لا يتعدى ضررها إلى الحيوانات الأخرى” انتهى .

وقال الشيخ محمد إسماعيل العمراني : ” قتل القرود غير جائز إلا إذا تحقق صدور الضرر منها ، أو كانت صائلة ، بحيث إنها تهجم على الرجل أو المرأة، أو تقذفهما بالحجارة أو غيرها، كما يحدث في بعض الأحيان ، فلا مانع من ذلك من باب مدافعة العدو الصائل” انتهى من “نيل الأماني” (ص: 1807) .

والله أعلم .


 

Category: Uncategorized