هل يُلْزِم غيره بالتورع عن الحرام وعن المشتبهات ؟

الجواب :
الحمد لله
إذا ثبت وجود مكونات الخنزير في هذه الأطعمة وغيرها ، وتأكدت من ذلك فلا يجوز أن تأكلها وتستعملها ، ولا أن تعطيها لا لمسلم ولا لكافر ؛ لأنها محرمة علينا وعليهم ، ولا مانع من إطعامها للحيوانات ، إن كان ذلك ممكنا ؛ فذلك خير من إلقائها وإتلافها بالكلية .

وإذا لم يكن في مكونات هذه الأطعمة شيء من لحم الخنزير أو دهنه ، أو غير ذلك مما يؤخذ منه : فلا بأس بأكلها وإهدائها .

وإذا حك في صدرك شيء ، أو شككت فيه ، أو تورعت عن أكل شيء من هذه الأطعمة ، أو ما سواها : فلا حرج عليك في ذلك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ) رواه الترمذي (2518) وصححه الألباني .

ولكن في هذه الحالة لا بأس بإهدائها لغيرك ، مسلماً كان أو كافراً .
فما تركه المسلم تورعا واحتياطا لابأس أن يعطيه لغيره لينتفع به .
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تورع لنفسه ولم يلزم غيره ، فعن رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ : ” خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ : ( أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ ، فَأَكَلُوا ، فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا ، فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً ، فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً ، أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطْعِمِيهِ الْأُسَارَى) رواه أبو داود (3332) ، وصححه الألباني .
قال الشوكاني في ” نيل الأوطار ” (5385) “وَفِيهِ : تَجَنُّبُ مَا كَانَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ حَرَامًا أَوْ مُشْتَبِهًا ، وَعَدَمُ الِاتِّكَالِ عَلَى تَجْوِيزِ إذْنِ مَالِكِهِ بَعْدَ أَكْلِهِ .
وَفِيهِ أَيْضًا : أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ مَا كَانَ كَذَلِكَ إلَى مَنْ يَأْكُلُهُ كَالْأُسَارَى وَمَنْ كَانَ عَلَى صِفَتِهِمْ ” انتهى .

وروى مسلم (2004) عن عبد الله بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال : ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ، وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ ، أَو أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ) . ثم روى مسلم أحاديث أخرى بمعناه .
والنبيذ هو أن يجعل التمر أو الزبيب في الماء حتى يحلو الماء .
قال النووي في “شرح صحيح مسلم” :
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز الِانْتِبَاذ .
وَجَوَاز شُرْب النَّبِيذ مَا دَامَ حُلْوًا لَمْ يَتَغَيَّر ، وَلَمْ يَغْلِ [أي يتحول إلى خمر] ، وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة .
وَأَمَّا سَقْيه الْخَادِم بَعْد الثَّلَاث وَصَبّه ، فَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن بَعْد الثَّلَاث تَغَيُّره ، وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَزَّه عَنْهُ بَعْد الثَّلَاث .
وَقَوْله : ( سَقَاهُ الْخَادِم أَوْ صَبَّهُ ) مَعْنَاهُ تَارَة : يَسْقِيه الْخَادِم ، وَتَارَة يَصُبّهُ ، وَذَلِكَ الِاخْتِلَاف لِاخْتِلَافِ حَال النَّبِيذ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَر فِيهِ تَغَيُّر وَنَحْوه مِنْ مَبَادِئ الْإِسْكَار : سَقَاهُ الْخَادِم وَلَا يُرِيقهُ ; لِأَنَّهُ مَال تَحْرُم إِضَاعَته ، وَيَتْرُك شُرْبه تَنَزُّهًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ شَيْء مِنْ مَبَادِئ الْإِسْكَار وَالتَّغَيُّر : أَرَاقَهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ صَارَ حَرَامًا وَنَجِسًا ، فَيُرَاق ، وَلَا يَسْقِيه الْخَادِم ; لِأَنَّ الْمُسْكِر لَا يَجُوز سَقْيه الْخَادِم ، كَمَا لَا يَجُوز شُرْبه ، وَأَمَّا شُرْبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الثَّلَاث فَكَانَ حَيْثُ لَا تَغَيُّر ، وَلَا مَبَادِئ تَغَيُّر ، وَلَا شَكّ أَصْلًا . وَاللَّهُ أَعْلَم” انتهى .

وحاصل الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم يترك شرب النبيذ بعد ثلاث ليالٍ تورعاً ، ولكنه كان يطعمه للخادم ، إذا لم يظهر فيه شيء من التغير .

وأما قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) سورة البقرة / 267 . فليس له ارتباط بهذه المسألة ؛ لأن مراد الآية هو منع المتصدق من إخراج الأردأ من ماله ، وأما هذه الأطعمة أو المواد المذكورة في السؤال فقد تكون من المواد الغالية والعالية أيضا .
على أن هذه الآية وردت في الصدقة الواجبة ، أما صدقة التطوع فأمرها أخف ، فيتصدق الإنسان بما يشاء ، وما يتيسر له ، ولو بشق تمرة .

وخلاصة الجواب :
إذا كنت تعتقد أن هذا الطعام حرام ، وبه لحم خنزير : فلا يجوز لك أن تطعمه مسلما أو كافرا .
أما إذا كنت تتركه احتياطا وورعا : فلا حرج عليه أن تطعمه من شئت .
والله أعلم .

/*<![CDATA[*/ $('.brief-link').click(function() { $('html, body').animate({ scrollTop: $('.brief-text').offset().top }, 2000); }) jQuery(function($) { jQuery('#yw0').after("Get a new code”); $(document).on(‘click’, ‘#yw0_button’, function(){ $.ajax({ url: “\/actionCreate\/captcha\/refresh\/1”, dataType: ‘json’, cache: false, success: function(data) { $(‘#yw0’).attr(‘src’, data[‘url’]); $(‘body’).data(‘captcha.hash’, [data[‘hash1’], data[‘hash2’]]); } }); return false; });}); /*]]>*/