وقت صلاة العشاء يبدأ بغياب الشفق الأحمر ومتى يصلي التروايح إذا جمعها مع المغرب جمع تقديم

السؤال : اعتمدنا هنا في باريس فيما اختاره بعض الإخوة و بتأيد سماحة المفتي الاعتماد على ما ذهب إليه المجمع الفقهي من اختيار الزواية 17 لصلاة العشاء، لكن قد حصل لنا مشقة في الصيف خصوصا في رمضان ؛ لتأخر دخول وقتها ، فأردنا التثبت بالنسبة للعلامة التي علقت عليها هذه الزواية (17) ، هل هي لاختفاء الشفق الأبيض أو الأحمر ؟ فإن كان للأبيض فلعل أن يكون من المناسب تعديل تقويمنا هنا ، وجعله مبني على الأحمر الذي هو مذهب الجمهور تيسيرا للمسلمين ، ويكون هذا العمل أولى من الجمع بين المغرب والعشاء ، فما رأيكم ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا:

وقت العشاء يبدأ من مغيب الشفق، وهو نهاية وقت المغرب، ويمتد وقتها إلى نصف الليل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ) رواه مسلم (612).

والمراد بالشفق: الشفق الأحمر، كما هو مذهب جمهور الفقهاء، خلاف لأبي حنيفة رحمه الله، فالشفق عنده هو الأبيض.

والشفق الأحمر يسبق الأبيض، وإذا غاب دخل وقت العشاء .

لكن إذا كان الناس في مكان يستتر عنهم الأفق بالجدران والجبال، فالاحتياط أن ينتظروا حتى يغيب الأبيض.

قال النووي رحمه الله : ” قَوْله : ( مَا لَمْ يَسْقُط ثَوْر الشَّفَق ) هُوَ الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَيْ ثَوَرَانه وَانْتِشَاره , وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ : ( فَوْر الشَّفَق ) بِالْفَاءِ , وَهُوَ بِمَعْنَاهُ .

وَالْمُرَاد بِالشَّفَقِ : الْأَحْمَر ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ – رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى – وَجُمْهُور الْفُقَهَاء وَأَهْل اللُّغَة … ” انتهى من ” شرح مسلم للنووي ” . وينظر: “الموسوعة الفقهية” ( 27 / 317).

 

وقال ابن قدامة رحمه الله في شرح قول الخرقي: ” فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة في السفر، وفي الحضر البياض؛ لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدران، فيظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض : فقد تُيُقِّن، ووجبت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل” .

قال : ” لا خلاف في دخول وقت العشاء بغيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في الشفق ما هو؟

فمذهب إمامنا، – رحمه الله -، أن الشفق الذي يخرج به وقت المغرب، ويدخل به وقت العشاء، هو الحمرة. وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وصاحبي أبي حنيفة.

وعن أنس، وأبي هريرة: الشفق البياض. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال الأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر؛ لأن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة ، صلاة العشاء، كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصليها لسقوط القمر لثالثة. رواه أبو داود .

وروي عن ابن مسعود، قال: “رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصلي هذه الصلاة حين يسود الأفق” .

ولنا : ما روت عائشة، – رضي الله عنها – قالت: ” أعتم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالعشاء حتى ناداه عمر بالصلاة: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: ما ينتظرها أحد غيركم ، قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة ، وكان يصلون فيما بين أن يغيب الشفق الأول إلى ثلث الليل” رواه البخاري ، والشفق الأول هو الحمرة.

وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ( وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق ) رواه أبو داود .

وروي (ثور الشفق)، وفور الشفق: فورانه وسطوعه. وثوره: ثوران حمرته، وإنما يتناول هذا الحمرة.

وآخر وقت المغرب : أول وقت العشاء.

وروي عن ابن عمر، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ( الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت العشاء ) رواه الدارقطني.

وما رووه : لا حجة لهم فيه، فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يؤخر الصلاة عن أول الوقت قليلا، وهو الأفضل والأولى، ولهذا روي عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه «قال لبلال: اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والمتوضئ من وضوئه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته».

إذا ثبت هذا، فإنه إن كان في مكان يظهر له الأفق، ويبين له مغيب الشفق، فمتى ذهبت الحمرة وغابت، دخل وقت العشاء.

وإن كان في مكان يستتر عنه الأفق بالجدران والجبال، استظهر حتى يغيب البياض، ليستدل بغيبته على مغيب الحمرة، فيعتبر غيبة البياض، لدلالته على مغيب الحمرة لا لنفسه” انتهى من “المغني” (1/ 277).

ثانيا:

ما جاء في قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي من أن الشفق يغيب عندما تكون الشمس بزاوية 17 درجة تحت الأفق، فالمراد بالشفق في كلامهم: الشفق الأحمر، كما هو نص القرار، حيث جاء فيه: ” العشاء: ويوافق غياب الشفق الأحمر حيث تقع الشمس على زاويـة قدرها (17) تحت الأفق الغربي” انتهى.

وينظر نص القرار كاملا هنا:

http://www.islamtoday.net/bohooth/artshow-32-4582.htm

ثالثا:

من حصلت له المشقة بأداء صلاة العشاء في وقتها، جاز له جمعها مع المغرب جمع تقديم.

جاء في قرار آخر للمجمع الفقهي الإسلامي :

“أما إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة ، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً : فيرى ” المجمع ” وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدد شرعاً .

لكن مَن كان يشق عليه الانتظار وأداؤها في وقتها – كالطلاب ، والموظفين ، والعمَّال أيام أعمالهم – : فله الجمع ؛ عملاً بالنصوص الواردة في رفع الحرج عن هذه الأمة ، ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة ، من غير خوف ولا مطر) ، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال : (أراد ألا يُحرج أمته).

على ألا يكون الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد ، طيلة هذه الفترة ؛ لأن ذلك من شأنه تحويل رخصة الجمع إلى عزيمة …

وأما الضابط لهذه المشقة : فمرده إلى العُرف ، وهو مما يختلف باختلاف الأشخاص ، والأماكن  والأحوال” انتهى من ” الدورة التاسعة عشر ” المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي ، بمكة المكرمة ، في الفترة من 22 – 27 شوال 1428هـ ، الموافق 3 – 8 نوفمبر2007 م ، القرار الثاني .

رابعا:

إذا جُمع بين المغرب والعشاء في رمضان جمع تقديم، شرعت صلاة التراويح في ذلك الوقت، لأن الجمع يصيّر الوقتين وقتا واحدا.

قال في “شرح منتهى الإرادات” (1/ 238): ” (ووقت وتر: ما بين صلاة العشاء – ولو مع) كون العشاء جمعت مع مغرب (جمع تقديم) في وقت المغرب – (وطلوع الفجر) ؛ لحديث معاذ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «زادني ربي صلاة، وهي الوتر، ووقتها: ما بين العشاء وطلوع الفجر» ” رواه أحمد” انتهى.

 

وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله: ” إذا حصل مطر فهل يجمعون المغرب والعشاء والتراويح جمع تقديم -إذا كانوا في رمضان-؟

فأجاب: نعم، إذا كان مطر، أو مشقة بالدحض والزلق في الأسواق، فالأفضل الجمع تسهيلاً على الناس .

وإذا جمع صلى التراويح بعد أن يصلي العشاء؛ لأنه صار وقتهما واحداً، إذا جمع بينهما في وقت المغرب صلوا التراويح بعد ذلك، لا بأس والحمد لله.” انتهى من “فتاوى نور على الدرب” (9/ 486).

وعليه : فمتى شق عليكم أداء العشاء في وقتها في شهر رمضان، جاز لكم جمعها مع المغرب تقديما، وتصلون معها التروايح والوتر.

والله أعلم.

Category: Uncategorized