يتوسط في بيع المنح الدراسية مقابل عمولة

السؤال : سؤالي عن بيع المنح الدراسية في روسيا ، فروسيا تقدم كل سنه مجموعة من المنح الدراسية للدول الفقيرة أو ما يسمى بدول العالم الثالث ، وكثير منها يقدم للفلسطينيين، ومن يقدم للمنحة يحصل عليها إذا استوفى الشروط ، ولكن المنح هذه بشكل أساسي لا تذهب للمستحق ، بل للذي يدفع ثمنها ، فعدم ذهابها للمستحق له أسباب كثيره ومنها ، عدم قدرة الشخص على السفر للدراسة أصلا وتحمل المصاريف ، اعتبار بعض الناس أنها بلاد كفر لا يسافر إليها، الخوف من الوقوع في المعاصي أو العصابات وغيرها ، ومنهم بسبب أن سمعة روسيا ليست الأفضل في التعليم ، أي أن الكثيرين ممن يستحقون لا يتقدمون للمنحة أصلا ، وهنالك أناس يشترون المنح ، ويحصّلون أعلى العلامات ، وهم من أوائل الطلاب مع أنهم حسب معدل المدرسة غير مؤهلين ، ولست هنا أحاول جعل اأمر حلالاً ، فهل يجوز لي التوسط في بيع هذه المنح مع عمولة لي ؟

الجواب:

الحمد لله

المنح الدراسية التي تقدمها بعض الدول أو الجامعات أو المؤسسات ليست سلعة تباع ، وإنما هي كما تُسمى “منحة” ؛ فهي منحة مجانية تقدمها الدولة لمن استوفى شروطها .

فإذا كان بعض المسئولين يستغل منصبه ، ويبيع هذه المنح ، ويعطيها لغير المستحق ، ما دام قد دفع له مالا .. فإن هذا العمل محرم .

وفيه غش وخيانة للجهة المانحة حيث لا يهتم باستيفاء شروط المنحة .

وفيه كذلك أن هذا المسئول يبيع شيئا لا يملكه ، لأن المنحة ليست ملكا له حتى يبيعها ، ولا يجوز للإنسان أن يبيع شيئا لا يملكه .

 

وإذا ثبت هذا فإنه لا يجوز لك أن تعاونه في بيع هذه المنح .

لأنه لا يجوز معاونة العاصي على معصيته ، لقول الله تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/2 .

 

على أن إيصال هذه المنح الدراسية للمستحق لها مجانا ليس جائزا هكذا بإطلاق ، وذلك لأن الإقامة بالدول الغربية من أجل الدراسة ينطوي على مخاطر كثيرة ، تتعلق بالدين والأخلاق ، وكثير ممن نالوا الشهادات من تلك الدول رجعوا إلى بلادهم وكانوا مصدر بلاء وشقاء ، لأنهم رجعوا منسلخين من دينهم ، مفتونين بما عند الغرب ، فصاروا يدعون للعلمانية وتقليص دور الإسلام في المجتمع ، وهم يعلمون أنهم بهذا يخالفون الإسلام ، أو لا يعلمون .

 

ولذلك .. فلا يجوز لك أن تساعد أحدا على الحصول على هذه المنحة – ولو كان ذلك مجانا – إلا إذا كان ظاهر حاله الدين والاستقامة ، وغلب على ظنك أنه لن يغرق كما غرق الكثير غيره في بحور الشبهات والشهوات .

وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله: ” نحن طلبة مسلمون ندرس في أمريكا لفترات تتراوح ما بين ستة أشهر وأربع سنوات ، وجئنا للدراسة هنا بمحض إرادتنا – أي لسنا مبتعثين من أي جهة – والدراسة هنا في أمريكا لا تختلف عن الدراسة في بلادنا سوى بالحصول على اللغة الإنجليزية ، فما حكم جلوسنا في هذه البلاد للدراسة؟ جزاكم الله خيرا.

فأجاب: “من كان منكم لديه علم وبصيرة بدين الله ، يمكنه أن يدعو إلى الله ويعلم الناس الخير ويدفع الشبهة عن نفسه ، ويظهر دينه بين من لديه من الكفار : فلا حرج عليه; لأن إقامته والحال ما ذكر ، وتزوده من العلم الذي يحتاج إليه : ينفعه وينفع غيره ، وقد يهدي الله على يديه جمعا غفيرا إذا اجتهد في الدعوة ، وصبر ، وأخلص النية لله سبحانه وتعالى .

أما من ليس عنده علم وبصيرة ، أو ليس عنده صبر على الدعوة ، أو يخاف على نفسه الوقوع في ما حرم الله ، أو لا يستطيع إظهار دينه بالدعوة إلى توحيد الله والتحذير من الشرك به وبيان ذلك لمن حوله : فلا تجوز له الإقامة بين أظهر المشركين; لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» ، ولما عليه من الخطر في هذه الإقامة ، والله ولي التوفيق” انتهى من مجموع الفتاوى والمقالات (9/ 401).

وقال أيضا وهو يبين ضوابط ابتعاث الطلاب إلى الخارج : ” أما إذا اقتضت الضرورة ابتعاث بعض الطلاب إلى الخارج لعدم وجود بعض المعاهد الفنية المتخصصة ، لا سيما في مجال التصنيع وأشباهه ، فأرى أن يكون لذلك لجنة علمية أمينة لاختيار الشباب الصالح في دينه وأخلاقه المتشبع بالثقافة والروح الإسلامية ، واختيار مشرف على هذه البعثة معروف بعلمه وصلاحه ونشاطه في الدعوة ليرافق البعثة المذكورة ، ويقوم بالدعوة إلى الله هناك ، وفي الوقت نفسه يشرف على البعثة ، ويتفقد أحوالها وتصرفات أفرادها ، ويقوم بإرشادهم وتوجيههم ، وإجابتهم عما قد يعرض لهم من شبه وتشكيك وغير ذلك .

وينبغي أن يعقد لهم دورة قبل ابتعاثهم ، ولو قصيرة ، يدرسون فيها جميع المشاكل والشبهات التي قد تواجههم في البلاد التي يبتعثون إليها ، ويبين لهم موقف الشريعة الإسلامية منها ، والحكمة فيها حسب ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلام أهل العلم مثل أحكام الرق ، وتعدد الزوجات بصفة عامة ، وتعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة ، وحكم الطلاق ، وحكمة الجهاد ابتداء ودفاعا وغير ذلك من الأمور التي يوردها أعداء الله على شباب المسلمين حتى يكونوا على استعداد تام للرد على ما يعرض لهم من الشبه ” انتهى من “فتاوى الشيخ ابن باز” (1/387) .

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء : ” إذا كان الواقع كما ذكر من أن التخصص الذي تدرسه موجود في بلدك الإسلامي ، وأن الدراسة في الخارج مشتملة على مفاسد كثيرة في الدين والأخلاق وعلى الزوجة والأولاد – فإنه لا يجوز لك السفر لهذه الدراسة ؛ لأنها ليست من الضرورات ، مع وجودها في بلدك الإسلامي ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في التحذير من الإقامة في بلاد الكفار من غير مسوغ شرعي ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين) وغيره من الأحاديث … ” انتهى من “فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء” (26/ 93).

 

وقد سبق في جواب السؤال رقم (117699) بيان بعض مخاطر الابتعاث للدراسة في هذه البلاد.

 

والخلاصة :

لا يجوز لك التوسط في بيع هذه المنح الدراسية ، وإذا أردت مساعدة بعض الطلبة بالحصول عليها مجانا ، فلا يجوز لك أن تساعد إلا من يغلب على ظنك انتفاعه بها ، مع سلامته من المفاسد ومخاطر الابتعاث .

والله أعلم .

Category: Uncategorized