يجتمعون ليلة الجمعة، على ذكر وتلاوة جماعية، وعلى قيام لليل

السؤال : صليت العشاء يوم الخميس في أحد المساجد ، بعد الصلاة قام الإمام بعد السنة ، وأعطانا موعظة صغيرة عن تعظيم الله تعالى ، ثم قال لنا : حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي يرويه عن ربه أنه من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، فقال لنا : أن نذكر الله ، ونقول سبحان الله ، والحمد لله ، ولا اله إلا الله ، والله أكبر لمدة دقيقتين ، كل يقول في نفسه ليس جهرا ، ثم قال لنا : أن نقول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم لمدة دقيقتين ، وقال لنا : أن نصلي على سيدنا محمد بصيغة اللهم صل على محمد لمدة دقيقتين ، ثم قال للناس بأن يجلسوا حلقا ، ويقرأوا سورة الكهف بشكل جماعي ، ومن ثم قيام ليل بشكل جماعي ، وقد اختص ليلة الجمعة في ذلك . أليس ما فعله هذا الإمام كفعل الناس الذين كانو يجلسون حلقا ، فقال لهم سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه : “فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم ، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون ، وهذه ثيابه لم تبل ، وآنيته لم تكسر ، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة ” ؟

الجواب : 

الحمد لله

أولا:

الإجتماع على الذكر بأن يكون للمجموعة من يأمرهم بذكر معين بعدد معين أو زمن معين، كما ورد في السؤال : هو من الأمور المحدثة المنكرة، كما بيّن ذلك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

عن عمرو بن سلمة قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ، مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قُلْنَا: لَا، بَعْدُ. فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ، قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ – وَالْحَمْدُ لِلَّهِ – إِلَّا خَيْرًا.

قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ.

قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حصًا، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً، فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً.

قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتظارَ أَمْرِكَ.

قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حصًا نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ.

قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ.

قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ.

قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ ) رواه الدارمي (210)، وصححه الألباني في “سلسة الأحاديث الصحيحة” (5 / 11).

وهذا الأثر يدل على أن هذا الفعل : بدعة محدثة في طريقة الذكر ، وقد أنكر الصحابة ما ورد في الأثر السابق ، وهو شبيه بهذه الهيئة المذكورة في السؤال .

ودل ذلك الموقف من عبد الله بن مسعود على أن تلك الطريقة ، مخالفة لطريقة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الله عز وجل ، ولهذا قال لهم :

( وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ ).

ثانيا:

وأما قيام الليل جماعة في مواعيد محددة، فهذا أيضا لم يكن من عمل سلفنا الصالح، وقد مضى بيان هذا في جواب السؤال رقم (21210).

ثالثا:

وأما قراءة سورة الكهف جماعة:

فإن كان المقصود أن أحدهم يقرأ ، والآخرون يستمعون، فهذا أمر لا بأس به، وله أصل من السنة.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ( قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ) رواه البخاري (5049) ومسلم (800).

ومثل ذلك أيضا : إذا قرأ بعض الجماعة ربعا ، أو قدرا معينا من السورة ، ثم توقف ، وأكمل الآخر من حيث توقف الأول : فهذه أيضا مشروعة ، وهي من صور القراءة بالإدارة .

قال النووي رحمه الله : ” [فصل] في الإدارة بالقرآن وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرا أو جزءا أو غير ذلك ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول ثم يقرأ الآخر وهذا جائز حسن وقد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه فقال لا بأس به” انتهى، “التبيان في آداب حملة القرآن” (103) .

وأما إن كان المقصود أنهم يتلون القرآن جماعة بصوت واحد، فهذا مما اختلف فيه أهل العلم .

والأقرب : أنه إذا لم يكن هناك حاجة تدعو إلى ذلك ، من تعليم للتلاوة ، أو تحفيظ للمتحفظ ، ونحو ذلك = أنه يمنع منه ، لما يترتب عليها من تشويش ، ومنافاة قصد التلاوة من التدبر ؛ حيث يكون تركيز القراء في هذه الحالة على موافقة بعضهم البعض، وليس على معاني الآيات ، بل ربما غلب موافقة الجماعة في “الصوت” و”النغمة” ، على تصحيح تلاوته ، وإقامة حروف ما يقرؤه ، وهذا مشاهد ، لا سيما في الصغار .

ولما فيه من مخالفة حال السلف ، أيضا .

سُئلت ” اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء”:

” ما حكم قراءة القرآن في المسجد جماعة؟

فأجابت: السؤال فيه إجمال، فإذا كان المقصود أنهم يقرؤون جميعا بصوت واحد ومواقف ومقاطع واحدة فهذا غير مشروع، وأقل أحواله الكراهة؛ لأنه لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم .

لكن إذا كان ذلك من أجل التعليم، فنرجو أن يكون ذلك لا بأس به .

وإن كان المقصود أنهم يجتمعون على قراءة القرآن لتحفظه أو تعلمه، ويقرأ أحدهم وهم يستمعون أو يقرأ كل منهم لنفسه غير ملتق بصوته ولا بمواقفه مع الآخرين، فذلك مشروع؛ لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده ) رواه مسلم.

وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عبد الله بن قعود ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز ” انتهى. “فتاوى اللجنة الدائمة” (4 / 112).

والله أعلم.

Category: Uncategorized