يَستدل بمعجزات المسيح عليه السلام على أفضليته على محمد صلى الله عليه وسلم؟!

الجواب :
الحمد لله
نبي الله وكلمته المسيح عيسى ابن مريم ، من أفضل الرسل مقاما عند الله ، وأعظمهم قدرا وجلالا ، صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى أخيه محمد بن عبد الله .
فعيسى ، عليه السلام ، هو كلمة الله ، وروحه ألقاها إلى مريم البتول، وجعله الله عز وجل (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) آل عمران/45.
وإذا كنت في مقام تريد فيه الانتقاص من قدر أحد الأنبياء، ورفع مكانة نبي الله عيسى عليه السلام ، فقد نهينا – نحن المسلمين – عن متابعتك في هذا المقام، وأمرنا بالإيمان بجميع الرسل والأنبياء، والاعتقاد بفضلهم جميعا، كما قال تعالى: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة/136، وقال عز وجل: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة/ 285، وقول الله جل وعلا: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) آل عمران/84.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
” جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنَ الأَنْصَارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي ، قَالَ: ( ادْعُوهُ ) ، فَدَعَوْهُ ، قَالَ: ( لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَه ؟ُ ) ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي مَرَرْتُ بِاليَهُودِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، فَقُلْتُ: وَعَلَى مُحَمَّدٍ ، وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ ، قَالَ : ( لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْش ِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ) ” رواه البخاري (4638) .
يقول الإمام المازري رحمه الله (ت536هـ):
” كان بعض شيوخي يقول: يحتمل أن يريد: لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلا يؤدّي إلى نقص بعضهم ، وقد خرجَ الحديث على سبب ، وهو لَطم الأنصاريّ وجهَ اليهودي ، فقد يكون صلى الله عليه وسلم خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص حقّ موسى عليه السلام ، فنهى عن التّفضيل المؤدّي إلى نقص بعض الحقوق ” انتهى من “المُعلِم بفوائد مسلم” (3/ 233) .
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:
“قال العلماء: في نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء إنما نهى عن ذلك من يقوله برأيه ، لا من يقوله بدليل.
أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول .
أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع .
أو المراد: لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل، بحيث لا يترك للمفضول فضيلة، فالإمام مثلا إذا قلنا إنه أفضل من المؤذن ؛ لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان.
وقيل: النهي عن التفضيل إنما هو في حق النبوة نفسها، كقوله تعالى: (لا نفرق بين أحد من رسله) ، ولم ينه عن تفضيل بعض الذوات على بعض” انتهى من “فتح الباري” (6/ 446) .
فنقول لك يا هذا : نحن أولى بنبي الله عيسى عليه السلام ، منك ، ومن أهل ملتك .
نحن نؤمن به ، نبيا من الله ، ورسولا ، من أولي العزم من الرسل ، ومن أعظمهم مقاما عند رب العالمين .
ولا نفرق بينه وبين إخوانه المرسلين ؛ وأولهم : سيد العالمين ، وخاتم المرسلين : محمد بن عبد الله ، عليهم جميعا أزكى الصلاة ، وأتم التسليم .
ولا شك أن هذا الإيمان هو الذي يميز الإسلام عن سائر الأديان ، أن المسلم مأمور بتولي جميع الرسل والأنبياء ، ومكلف باتباعهم ومحبتهم ، والإيمان بعقيدتهم الواحدة التي هي عقيدة التوحيد، واتباع شريعة الناسخ منهم ، وهي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، ورحمة الله للعالمين ، الذي لا نبي بعده .
أما من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض ، فهؤلاء يلزمهم التفتيش عن الأسباب التي دفعتهم إلى الإيمان بمن آمنوا به ، والكفر بمن كفروا به ، ولو فتشوا بصدق وموضوعية ، لاكتشفوا أن الفرق الذي يدعونه : متكلف متوهم ، وأن الميزان الصحيح الذي دفعهم إلى الإيمان بموسى أو عيسى عليهما السلام ، هو ذاته الذي يجب أن يحملهم على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” فإن الدلائل الدالة على صدق محمد – صلى الله عليه وسلم – أعظم وأكثر من الدلائل الدالة على صدق موسى وعيسى ، ومعجزاته أعظم من معجزات غيره ، والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتاب الذي بعث به غيره ، والشريعة التي جاء بها أكمل من شريعة موسى وعيسى – عليهما السلام – وأمته أكمل في جميع الفضائل من أمة هذا وهذا .
ولا يوجد في التوراة والإنجيل علم نافع وعمل صالح ، إلا وهو في القرآن ، أو مثله ، أو خير منه ، وفي القرآن من العلم النافع والعمل الصالح ، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل .
فما من مطعن من مطاعن أعداء الأنبياء ، يُطعن به على محمد صلى الله عليه وسلم ؛ إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن ، وأعظم منه : على موسى وعيسى” .
انتهى من “الجواب الصحيح”(2/ 5) .
ونحن هنا ننبه السائل إلى مجموعة من الملاحظات الهامة على ما أورده في سؤاله ، نرجو أن يقف عليها بتأنٍّ وَرَوِيَّة :
أولا:
يخطئ من يدعي أن المسيح عليه السلام ذكر في القرآن أكثر من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فليست العبرة بالذكر أن يرد بالاسم الخاص فحسب، بل كل خطاب ، وكل سياق يدل على أن المقصود هو ذلك النبي ، فهو ذكر له أيضا.
ولو تأملنا القرآن الكريم جيدا، لوجدناه في عامته ، من أوله إلى آخره ، مرتبطا ، أو متعلقا ، على نحو ما ، بشخص الموحى إليه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، من أول سورة البقرة وفيها: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)البقرة/4 ، مرورا بجميع الآيات التشريعية التي وجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقصص الأنبياء التي سيقت لتثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت أفئدة أمته من بعده ، وتذكيرهم وموعظتهم، كما قال تعالى: ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين)هود/ 120، إلى آخر سورة الناس التي يخاطبه فيها رب العزة فيقول له: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) الناس/ 1 .
وهكذا الأمر ؛ لو أعدت قراءة القرآن الكريم ، لوجدته على هذا النسق ، وهو نسق أهم وأخص من أن ننظر إلى مجرد التسمية العَلَمية : “عيسى”، أو “محمد”.
ولو كان مقياس المفاضلة في القرآن الكريم هو بعدد مرات ورود الاسم “العلم”، لكان “الشيطان” أو “إبليس” أعلى مقاما من كثير من الأنبياء ، حيث بلغ عدد مرات ورود هذين الاسمين قريبا من السبعين مرة ، الأمر الذي يفوق عدد مرات ورود أسماء بعض الرسل والأنبياء!
فقضية المفاضلة لا تستند إلى عدد مرات الذكر، وإنما بمقامات الورود، وسياقات الحديث عنه في القرآن، إن كانت في سبيل الثناء والتأييد، أم في مقام الذم والتحذير، ونحو ذلك من الاعتبارات الأهم في النظر إلى التزكية القرآنية .
ثانيا:
إحياء الموتى ليست معجزة خاصة بنبي الله عيسى عليه السلام ، بل شاركه فيها غيره من الأنبياء، كما قال تعالى عن قصة إبراهيم عليه السلام: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة/ 260 وجرى إحياء الموتى كرامة لبعض الأولياء ، كما قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) البقرة/ 243 .
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/ 259 .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” معلوم أن المسيح نفسه لم تكن له آيات مثل آيات موسى ، فضلا عن الحواريين ، فإن أعظم آيات المسيح عليه السلام إحياء الموتى ، وهذه الآية قد شاركه فيها غيره من الأنبياء كإلياس وغيره .
وأهل الكتاب عندهم في كتبهم : أن غير المسيح أحيا الله على يديه الموتى، وموسى بن عمران : من جملة آياته العصا ، التي انقلبت فصارت ثعبانا مبينا، حتى بلعت الحبال والعصي التي للسحرة، وكان غير مرة يلقيها فتصير ثعبانا ، ثم يمسكها فتعود عصا.
ومعلوم أن هذه آية لم تكن لغيره ، وهي أعظم من إحياء الموتى ، فإن الإنسان كانت فيه الحياة، فإذا عاش فقد عاد إلى مثل حاله الأول ، والله تعالى يحيي الموتى بإقامتهم من قبورهم ، وقد أحيا غير واحد من الموتى في الدنيا.
وأما انقلاب خشبة تصير حيوانا ، ثم تعود خشبة ، مرة بعد مرة ، وتبتلع الحبال والعصي، فهذا أعجب من حياة الميت.
وأيضا : فالله قد أخبر أنه أحيا من الموتى على يد موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل ، أعظم ممن أحياهم على يد المسيح، قال تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) [البقرة: 55 – 56]. وقال تعالى: (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى) [البقرة: 73] وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) [البقرة: 243] .
وأيضا : فموسى عليه الصلاة والسلام كان يخرج يده بيضاء من غير سوء، وهذا أعظم من إبراء أثر البرص الذي فعله المسيح عليه السلام، فإن البرص مرض معتاد، وإنما العجب الإبراء منه، وأما بياض اليد من غير برص ، ثم عودها إلى حالها الأول، ففيه أمران عجيبان لا يعرف لهما نظير.
وأيضا : فموسى فلق الله له البحر حتى عبر فيه بنو إسرائيل، وغرق فيه فرعون وجنوده ، وهذا أمر باهر ، فيه من عظمة هذه الآية ، ومن إهلاك الله لعدو موسى : ما لم يكن مثله للمسيح.
وأيضا : فموسى كان الله يطعمهم على يده المن والسلوى ، مع كثرة بني إسرائيل، ويفجر لهم بضربه للحجر كل يوم اثني عشر عينا تكفيهم .
وهذا أعظم من إنزال المسيح عليه السلام للمائدة ، ومن قلب الماء خمرا، ونحو ذلك مما يحكى عنه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين” .
انتهى من “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح” (4/17-19) .
والأبلغ من ذلك كله أن هذه المعجزة وقعت أيضا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم على وجه أعلى وأعظم ؛ ذلك أن المسيح عليه السلام كان يحيي الموتى من البشر، من ذوات الأرواح، بإذن الله، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أحيا الله له بعض الجمادات التي لا روح فيها أصلا، فدبت فيها الحياة وانقادت له عليه الصلاة والسلام، وهذا أبلغ في الإعجاز ولا شك.
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ” سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: ( انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ ) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ ، الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: ( انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ ) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لَأَمَ بَيْنَهُمَا – يَعْنِي جَمَعَهُمَا – فَقَالَ: ( الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ ) فَالْتَأَمَتَا ” رواه مسلم (3012) .
وروى البخاري (3579) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: ” كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَة ً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَقَلَّ المَاءُ، فَقَالَ: ( اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ ) فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ ) فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ ” .
وروى البخاري أيضا (3584) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ” أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، أَوْ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا ؟ قَالَ: ( إِنْ شِئْتُمْ ) ، فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُ إِلَيْه ِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ ، قَالَ: كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا” .
فتأمل كيف انقلب الشجر والطعام والجذع حيا يتحرك ويتكلم بإذن الله ، وذلك في يده الشريفة عليه الصلاة والسلام على وجه الإعجاز.
ثالثا:
ننقل هنا حوارا مهما أورده الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله ، يناقش فيه من يستدل بإحياء الموتى والولادة من غير أب على ألوهية المسيح عليه السلام ، فيقول:
” وإن قلتم: إنما استدللنا على كونه إلها بأنه لم يولد من البشر، ولو كان مخلوقا ، لكان مولودا من البشر ؟
فإن كان هذا الاستدلال صحيحا ، فآدم إله المسيح ، وهو أحق بأن يكون إلها منه ؛ لأنه لا أم له ولا أب له ، والمسيح له أم .
وحواء أيضا، اجعلوها إلها خامسا؛ لأنها لا أم لها، وهي أعجب من خلق المسيح .
والله سبحانه وتعالى قد نوع خلق آدم وبنيه ، إظهارا لقدرته ، وأنه يفعل ما يشاء ، فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى ، وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى.
وإن قلتم: استدللنا على كونه إلها بأنه أحيا الموتى ، ولا يحييهم إلا الله .
فاجعلوا موسى إلها آخر، فإنه أتى من ذلك بشيء لم يأت المسيح بنظيره ولا ما يقاربه ، وهو جعل الخشبة حيوانا عظيما، وهذا أبلغ من إعادة الحياة إلى جسم كانت فيه أولا .
فإن قلتم: هذا غير إحياء الموتى.
فهذا اليسع النبي أتى بإحياء الموتى ، وهم يقرون بذلك .
وكذلك إيليا النبي أيضا ، أحيا صبيا بإذن الله .
وهذا موسى ، قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه.
وفي كتبكم من ذلك كثير عن الأنبياء والحواريين : فهل صار أحد منهم إلها بذلك؟
وإن جعلتموه إلها ، لكونه أطعم من أرغفة يسيرة آلافا من الناس.
فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنة من المن والسلوى!
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله ، قد أطعم العسكر كله من زاد يسير جدا ، حتى شبعوا وملئوا أوعيتهم ، وسقاهم كلهم من ماء يسير لا يغمر اليد ، حتى ملئوا كل سقاء في العسكر، وهذا منقول عنه بالتواتر.
وإن جعلتموه إلها لأنه أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى.
فآيات موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أعجب من ذلك.
وإن جعلتموه إلها لأنه ادعى ذلك .
فلا يخلو: إما أن يكون الأمر كما تقولون عنه ، أو يكون إنما ادعى العبودية والافتقار وأنه مربوب ومصنوع مخلوق .
فإن كان كما ادعيتم عليه ؛ فهذا أخو المسيح الدجال، وليس بمؤمن ولا صادق ، فضلا عن أن يكون نبيا كريما، وجزاؤه جهنم وبئس المصير، كما قال تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم)
وكل من ادعى الإلهية من دون الله ، فهو من أعظم أعداء الله ، كفرعون ونمرود وأمثالهما من أعداء الله ، فأخرجتم المسيح عن كرامة الله ونبوته ورسالته، وجعلتموه أعظم أعداء الله ، ولهذا كنتم أشد الناس عداوة للمسيح في صورة محب موال!
ومن أعظم ما يعرف به كذب المسيح الدجال أنه يدعي الإلهية ، فيبعث الله عليه عبده ورسوله مسيح الهدى ابن مريم ، فيقتله، ويظهر للخلائق أنه كان كاذبا مفتريا، ولو كان إلها لم يقتل ، فضلا عن أن يصلب ، ويسمر ، ويبصق في وجهه !
وإن كان المسيح إنما ادعى أنه عبد الله ورسوله ، كما شهدت به الأناجيل كلها، ودل عليه العقل والفطرة ، وشهدتم أنتم له بالإلهية – وهذا هو الواقع – فلم تأتوا على إلهيته ببينة غير تكذيبه في دعواه ، وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضع عديدة ما يصرح بعبوديته ، وأنه مربوب مخلوق، وأنه ابن البشر، وأنه لم يدع غير النبوة والرسالة ، فكذبتموه في ذلك كله ، وصدقتم من كذَب على الله وعليه!
وإن قلتم: إنما جعلناه إلها لأنه سمى نفسه ابن الله في غير موضع من الإنجيل ، كقوله: “إني ذاهب إلى أبي، وإني سائل أبي” ونحو ذلك، وابن الإله إله.
قيل: فاجعلوا أنفسكم آلهة كلكم ، فإن في الإنجيل في غير موضع : أنه سماه أباه وأباهم ، كقوله: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.
وفيه: لا تنسبوا أباكم على الأرض ، فإن أباكم الذي في السماء وحده .
وهذا كثير في الإنجيل وهو يدل على أن الأب عندهم : الرب.
وإن جعلتموه إلها لأن تلاميذه ادعوا ذلك، وهم أعلم الناس به.
كذبتكم أناجيلكم التي بأيديكم، وكلها صريحة ، أظهر صراحة ، بأنهم ما ادعوا له إلا ما ادعاه لنفسه ؛ من أنه عبد.
فهذا متّى يقول في الفصل التاسع من إنجيله، محتجا بنبوة أشعيا في المسيح عن الله عز وجل: “هذا عبدي الذي اصطفيت وحبيبي الذي ارتاحت نفسي له”.
وإن قلتم: إنما جعلناه إلها لأنه صعد إلى السماء.
فهذا أخنوخ وإلياس قد صعدا إلى السماء ، وهما حيان مكرمان لم تشكهما شوكة ، ولا طمع فيهما طامع.
والمسلمون مجمعون على أن محمدا صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماء وهو عبد محض ، وهذه الملائكة تصعد إلى السماء، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان ، ولا تخرج بذلك عن العبودية ، وهل كان الصعود إلى السماء مخرجا عن العبودية بوجه من الوجوه!
وإن جعلتموه إلها لأنه صَنع من الطين كهيئة الطير ، أي: صورة طائر ، ثم نفخ فيها وصارت لحما ودما وطائرا حقيقة ، ولا يفعل هذا إلا الله .
قيل: فاجعلوا موسى بن عمران إله الآلهة ، فإنه ألقى عصا فصارت ثعبانا عظيما، ثم أمسكها بيده فصارت عصا كما كان .
فإن قلتم: إنما جعلناه إلها من جهة قول أشعيا النبي: “قل لصهيون يفرح ويتهلل فإن الله يأتي ويخلص الشعوب ، ويخلص من آمن به ، ويخلص مدينة بيت المقدس، ويظهر الله ذراعه الطاهر فيها لجميع الأمم المتبددين، ويجعلهم أمة واحدة، ويبصر جميع أهل الأرض خلاص الله، لأنه يمشي معهم ، وبين أيديهم ، ويجمعهم إله إسرائيل”.
قيل لكم: هذا يحتاج ، أولا إلى : أن يُعلم أن ذلك في نبوة أشعيا بهذا اللفظ ، من غير تحريف للفظه، ولا غلط في الترجمة؛ وهذا غير معلوم.
وإن ثبت ذلك ، لم يكن فيه دليل على أنه إله تام، وأنه غير مصنوع ولا مخلوق، فإنه نظير ما في التوراة من قوله: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران، وليس في هذا ما يدل على أن موسى ومحمدا إلهين.
والمراد : مجيء دينه وكتابه وشرعه وهداه ونوره.
وإن قلتم : جعلناه إلها لقول زكريا في نبوته: “افرحي يا بنت صهيون لأني آتيك وأحل فيك وأتراءى، وتؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة، ويكونون له شعبا واحدا، ويحل هو فيهم ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهودا ويملك عليهم إلى الأبد”.
قيل لكم: إن وجبت له الإلهية بهذا فتجب لإبراهيم وغيره من الأنبياء، فإن عند أهل الكتاب وأنتم معهم، أن الله تجلى على إبراهيم واستعلن له وتراءى له.
وأما قوله: وأحل فيك، لم يُرد الله سبحانه وتعالى حلول ذاته التي لم تسعها السماوات والأرض في بيت المقدس، وكيف تحل ذاته في مكان يكون فيه مقهورا مغلوبا مع شرار الخلق؟
كيف وقد قال: “ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك”! أفترى عرفوا قوته بالقبض عليه، وشد يديه بالحبال، وربطه على خشبة الصليب، ودق المسامير في يديه ورجليه، ووضع تاج الشوك على رأسه، وهو يستغيث ولا يغاث! وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهور مستخف في غالب أحواله .
وجماع الأمر : أن النبوات المتقدمة ، والكتب الإلهية : لم تنطق بحرف واحد يقتضي أن يكون ابن البشر إلها تاما، إله حق، وأنه غير مصنوع ولا مربوب ، بل لم يخصه إلا بما خصه به أخوه ، وأولى الناس به : محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، في قوله: إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
وكتب الأنبياء المتقدمة ، وسائر النبوات : موافقة لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك كله يصدق بعضه بعضا، وجميع ما تستدل به المثلثة ، عُبَّاد الصليب ، على إلهية المسيح ، من ألفاظ وكلمات في الكتب ، فإنها مشتركة بين المسيح وغيره ، كتسميته ابنا ، وكلمة ، وروح الحق وإلها.
وإن أوجبتم له الإلهية بقوله في السفر الثالث من أسفار الملوك: والآن يا رب إله إسرائيل، يتحقق كلامك لداود لأنه حق أن يكون آية، سيسكن الله مع الناس على الأرض، اسمعوا أيتها الشعوب كلكم، ولتنصت الأرض وكل من فيها، فيكون الرب عليهم شاهدا، ويخرج من موضعه، وينزل ويطأ على مشارق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب .
قيل لكم: هذا السفر يحتاج أولا إلى أن يثبت ، وأن الذي تكلم به نبي ، وأن هذا لفظه، وأن الترجمة مطابقة له وليس ذلك بمعلوم .
وبعد ذلك ، فالقول في هذا الكلام ، كالقول في نظيره مما ذكرتموه وما لم تذكروه ، وليس في هذا الكلام ما يدل على أن المسيح خالق السماوات والأرض ، كأنه إله غير مصنوع ولا مخلوق، وإن قوله: “إن الله سيسكن مع الناس في الأرض”، هو مثل كونه معهم، وإذا صار في الأرض نوره وهداه ودينه ونبيه : كانت هذه سكناه ، لا أنه بذاته المقدسة ينزل عن عرشه ، ويسكن مع أهل الأرض ، ولو قدر تقدير المحالات أن ذلك واقع لم يلزم أن يكون هو المسيح ، فقد سكن الرسل والأنبياء قبله وبعده ، فما الموجب لأن يكون المسيح هو الإله ، دون إخوانه من المرسلين ، أترى ذلك للقوة والسلطان الذي كان له ، وهو في الأرض، وقد قلتم إنه قبض عليه ، وفعل به ما فعل من غاية الإهانة والإذلال والقهر، فهذا ثمرة سكناه في الأرض مع خلقه ؟
وإن قلتم: سكناه في الأرض مع خلقه : هو ظهوره في ناسوت المسيح .
قيل لكم: أما الظهور الممكن المعقول وهو ظهور محبته ومعرفته ودينه وكلامه ، فهذا لا فرق فيه بين ناسوت المسيح ، وناسوت سائر الأنبياء والمرسلين ، وليس في هذا اللفظ على هذا التقدير ما يدل على اختصاصه بناسوت المسيح .
وأما الظهور المستحيل الذي تأباه العقول والفطر والشرائع وجميع النبوات، وهو ظهور ذات الرب في ناسوت مخلوق من مخلوقاته ، واتحاده به ، وامتزاجه ، واختلاطه ، فهذا محال عقلا وشرعا، فلا يمكن أن تنطق به نبوة أصلا.
بل النبوات من أولها إلى آخرها متفقة على أصول:
أحدها: أن الله سبحانه وتعالى قديم واحد، لا شريك له في ملكه ، ولا ند، ولا ضد، ولا وزير، ولا مشير، ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه.
الثاني: أنه لا والد له ، ولا ولد ، ولا كفؤ، ولا نسيب بوجه من الوجوه ، ولا زوجة.
الثالث: أنه غني بذاته ، فلا يأكل، ولا يشرب ، ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه .
الرابع : أنه لا يتغير، ولا تعرض له الآفات من الهرم والمرض والسنة والنوم والنسيان والندم والخوف والهم والحزن ونحو ذلك .
الخامس: أنه لا يماثل شيئا من مخلوقاته ، بل ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ولا في صفاته .
السادس : أنه لا يحل في شيء من مخلوقاته ، ولا يحل في ذاته شيء منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته ، والخلق بائنون عنه .
السابع: أنه أعظم من كل شيء ، وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وغالب على كل شيء، وليس فوقه شيء ألبتة .
الثامن: أنه قادر على كل شيء ، فلا يعجزه شيء يريده ، بل هو الفعال لما يريد .
التاسع : أنه علام بكل شيء، يعلم السر وأخفى ، ويعلم ما كان وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ، ولا ساكن ولا متحرك إلا وهو يعلمه على حقيقته .
العاشر: أنه سميع بصير ، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات ، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، قد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات ، وعلمه بجميع المعلومات ، وقدرته بجميع المقدورات ، ونفذت مشيئته في جميع البريات ، وعمت رحمته جميع المخلوقات ، ووسع كرسيه الأرض والسماوات .
الحادي عشر: أنه الشاهد الذي لا يغيب ، ولا يستخلف أحدا على تدبير ملكه ، ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده ، أو يعاونه عليها ، أو يستعطفه عليهم ، ويسترحمه لهم .
الثاني عشر: أنه الأبدي الباقي الذي لا يضمحل، ولا يتلاشى ، ولا يعدم ، ولا يموت.
الثالث عشر: أنه المتكلم المكلم الآمر الناهي ، قائل الحق ، وهادي السبيل ، ومرسل الرسل ، ومنزل الكتب ، والقائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر ، ويجازي المحسن على إحسانه ، والمسيء بإساءته .
الرابع عشر: أنه الصادق في وعده وخبره ، فلا أصدق منه قيلا ، ولا أصدق منه حديثا، وهو لا يخلف الميعاد .
الخامس عشر: أنه تعالى صمد، بجميع معاني الصمدية، فيستحيل عليه ما يناقض صمديته.
السادس عشر: أنه قدوس سلام ، فهو المبرأ من كل عيب ونقص وآفة .
السابع عشر: أنه الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه .
الثامن عشر: أنه العدل الذي لا يجور، ولا يظلم ، ولا يخاف عباده منه ظلما.
فهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل ، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه ، ولا يخبر نبي بخلافه أصلا .
فترك المثلثة عباد الصليب هذا كله ، وتمسكوا بالمتشابه من المعاني ، والمجمل من الألفاظ ، وأقوال من ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل .
وأصول المثلثة ومقالتهم في رب العالمين تخالف هذا كله أشد المخالفة وتباينه أعظم المباينة ” انتهى ملخصا من ” هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ” (ص498-526) .
وللمزيد ينظر: (83417) ، (126168) ، (217450) ، (228450) .
والله أعلم.

Category: Uncategorized