أعمل مندوب مبيعات لإحدى الشركات ، وأقوم بتسويق وعرض بضاعة قد تكون متوفرة في معظم المحلات التي أزورها ، وبعض هذه المحلات قد تعاقد مسبقاً مع مورِّدين لبضاعة مشابهة ، فهل تقديمي عرض أسعار منافساً لسعر المورِّد المتعاقَد معه يعتبر بيعاً على بيع أخي ؟ مع الإشارة إلى أن هذا هو حقيقة عمل مندوب المبيعات في كل شركات الدنيا .
الحمد لله
روى البخاري ( 5142 ) ومسلم ( 1412 ) عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَبِعْ الرَّجُلُ
عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ) .
وروى مسلم ( 1408 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (
وَلاَ يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ) .
وقد بيَّن أهل العلم الحالة التي يتوجه إليها هذا النهي فقالوا : إن البائع
والمشتري لا يخلو أمرهما من الأحوال التالية :
أولاً :
أن يبدآ في المساومة ومحاولة إقناع كل منهما الآخر ، ولم يكن أحدهما إلى الآخر ،
وفي هذه المرحلة أيضا تبدأ ” المزايدات ” إذا كان البائع قد عرض سلعته للمزاد ،
وفيها أيضا تكون ” المناقصات ” إذا عرض المشتري رغبته في الشراء للمناقصة العلنية .
ففي هذه المرحلة لا حرج من البيع على بيع الآخرين أو الشراء على شرائهم أو السوم
على سومهم .
ثانياً :
إذا ركن كلٌّ من البائع والمشتري للطرف الآخر ، ورضي ونوى إتمام البيعة ، فلا يجوز
لأحد أن يدخل بينهما لا بيعاً ولا شراءً ولا سوماً .
ثالثاً :
أن يتم العقد ويلزم البيع ، لكن يبقى خيار المجلس أو خيار الشرط ( إذا اشترط أحد
المتبايعين أو كلاهما أن يكون له حق فسخ العقد خلال مدة معينة ) ، فلا يجوز – أيضاً
– حينئذ لأحد أن يدخل بينهما فيحاول أن يبيع بأقل أو يشتري بأكثر .
رابعاً :
إذا تم العقد بين المتبايعين وانتهى زمن خيار المجلس وافترقا عن مجلسهما ، ولم يكن
هناك خيار شرط ، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا حرج على من دخل على المتبايعين وعرض
عليهما شيئا أفضل مما سبق له أخذه ، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة ، بدليل رواية
النسائي ( 4504 ) لحديث ابن عمر وفيها : ( لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ
أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ ) وصححها
الألباني في ” صحيح النسائي ” .
قال الإمام الشافعي رحمه الله :
” ولا أنهى رجلين قبل أن يتبايعا ولا بعدما يتفرقان عن مقامهما الذي تبايعا فيه عن
أن يبيع أي المتبايعين شاء ؛ لأن ذلك ليس ببيع على بيع غيره فينهى عنه ”
انتهى
.
” الأم ” ( 3 / 92 )
.
واختار بعض العلماء تحريم البيع على بيع أخيه في هذه الصورة ، أي حتى بعد لزوم
البيع ، وعدم إمكان الفسخ ، لأن المشتري قد يحتال على فسخ العقد ، أو تحصل بينه
وبين البائع الأول منازعات بسبب أنه يرى أنه كان يمكنه الحصول على تلك السلعة بسعر
أقل ،
قال ابن رجب الحنبلي : ” وهو قول طائفة من أصحابنا . وهو أظهر” .
ومال إليه المرداوي في “الإنصاف” (11/178)
ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ، قال في “الشرح الممتع “(8/204)
” وهذا القول هو الراجح ، أي : أن البيع على بيع أخيه حرام ، سواء كان ذلك في زمن
الخيارين أو بعد ذلك ، ولكن إذا كان بعد مدة طويلة فإن ذلك لا بأس به ، يعني لو حصل
هذا قبل أسبوع أو شهر أو ما شبه ذلك ، وجاء وقال : أنا أعطيك مثل هذه السلعة بتسعة
وهو قد اشتراها بعشرة فهنا لا بأس به ، لأن محاولة الرد في مثل هذه الصورة بعيد ”
انتهى
.
والواجب على مندوب المبيعات التنبه للأحكام والأحوال السابقة ، حتى لا يقع في الحرج
والإثم .
فإن علم أن صاحب المحل قد ركن إلى شركة أخرى ، وعزم على الشراء منها : فلا يجوز له
أن يعرض عليه حينئذ .
فإن لم يعلم شيئاً – كما هو حال غالب مندوبي المبيعات – : فليس عليه حرج ولا إثم في
عرضه السلعة التي يبيعها بالسعر الذي يشاء .
والله أعلم
