أبي وأمي يعيشون في مدينة وأنا أعيش في مدينة أخرى لظروف العمل ، في يوم من الأيام سافرت أنا وزوجتي إلى دولة مجاورة لمدة يومين ورجعنا . ذكر لي أحد أصدقائي بأني بفعلي هذا قد عققت والداي لأني لم أخبرهما قبل أن أذهب ، مع العلم أني قد أخبرتهما بذلك وأنا في تلك الدولة . فهل فعلاً أكون قد عققتهما؟
الحمد لله
إذا كان الوالدان أو أحدهما غير محتاج إلى الولد في الخدمة أو التمريض ونحو ذلك ،
فلا حرج عليه أن يسافر السفر المأمون الذي لا خطر فيه بدون إذنهما ، ولا يعد ذلك
عقوقا . وإن أخبرهما بسفره ، بِرّاً بهما وتطييبا لخاطرهما فهو أولى وأفضل .
وأما السفر الذي لا يؤمن فيه الهلاك ، كالسفر للجهاد فإنه لا بد فيه من إذنهما ما
لم يكن الجهاد فرض عين .
قال الكاساني رحمه الله في “بدائع الصنائع” (7/98) : ” لا يخرج الولد إلى الجهاد
إلا بإذن والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتا ; لأن بر الوالدين فرض عين فكان
مقدما على فرض الكفاية .
والأصل أن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك ، ويشتد فيه الخطر لا يحل للولد أن يخرج إليه
بغير إذن والديه ، لأنهما يشفقان على ولدهما فيتضرران بذلك ، وكل سفر لا يشتد فيه
الخطر يحل له أن يخرج إليه بغير إذنهما إذا لم يضيعهما ، لانعدام الضرر . ومن
مشايخنا من رخص في سفر التعلم بغير إذنهما ، لأنهما لا يتضرران بذلك بل ينتفعان به
، فلا يلحقه سمة العقوق ” انتهى .
وقال السرخسي رحمه الله في “شرح السير الكبير” (1/197) :
” وكل سفر أراد الرجل أن يسافر غير الجهاد لتجارة أو حج أو عمرة فكره ذلك أبواه ،
وهو لا يخاف عليهما الضيعة فلا بأس بأن يخرج ، لأن الغالب في هذه الأسفار السلامة ،
ولا يلحقهما في خروجه مشقة شديدة ، فإن الحزن بحكم الغيبة يندفع بالطمع في الرجوع
ظاهرا ، إلا أن يكون سفرا مخوفا عليه منه ، فحينئذ حكم هذا وحكم الخروج إلى الجهاد
سواء ، لأن خطر الهلاك فيه أظهر . والسفر على قصد التعلم إذا كان الطريق آمنا
والأمن في الموضع الذي قصده ظاهرا لا يكون دون السفر للتجارة ، بل هذا فوقه لقوله
تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) . فلا بأس بأن يخرج
إليه وإن كره الوالدان ، إذا كان لا يخاف الضيعة عليهما ” انتهى .
ونحوه قاله النووي رحمه الله في “المجموع”
(8/314) .
والحاصل أنه لا شيء عليك في عدم استئذان والديك في هذا السفر ، لأن الغالب فيه
السلامة ، والظاهر أنهما لا يحتاجان إليك في الخدمة أو غيرها لأنك تعيش في مدينة
غير مدينتهما .
والله أعلم .
