الجواب :
الحمد لله
هذه العبارة باطلة ، وبيان بطلانها بما يلي :
– أن الله تعالى خلق كل إنسان على الفطرة ، وهي الإيمان بخالقه والإسلام له ، قال
تعالى : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ) الروم/ 30 .
وقال الله تعالى في الحديث القدسي : ( إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ
كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ
(أي أخرجتهم عن دينهم) وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ
وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ) رواه مسلم
(2865) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ )
رواه البخاري (1296) ، ومسلم (4803) ، وفي رواية لمسلم (4805) : ( مَا مِنْ
مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ ) .
فكل إنسان خلقه الله إنما خلقه مسلما ، حتى يؤثر فيه والداه ، أو يبلغ ذلك الإنسان
ويختار لنفسه ما يدين به .
– أن الإسلام وهو دين الله الحق موجود قبل خلق الإنسان ، فإن الملائكة مخلوقة قبل
الإنسان ، وهم مسلمون ، لأن حقيقة الإسلام : الإذعان والانقياد لله تعالى مع المحبة
والتعظيم ، وقد قال الله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي
جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ
إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ )البقرة/30 .
وقال تعالى : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ
وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ) آل عمران/18 .
وقال تعالى : ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا
الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)النساء/172 .
– أن آدم عليه السلام ، أبو البشر وأول إنسان خلقه الله إنما خلقه الله مسلما موحدا
، وكلمه وجعله نبيا ، فلم يخلقه الله إنسانا بلا دين ، ثم تعلم الدين ، بل استمرت
البشرية كلها من ذرية آدم إلى عهد نوح عليهما السلام على توحيد الله تعالى وطاعته
ومحبته وتعظيم أمره ، لم يتنازعوا ولم يختلفوا في ذلك ، حتى ظهر ذلك الاختلاف
والتنازع وبداية الانحراف عن التوحيد في عهد نوح عليه السلام ، قال عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما : ” كَانَ بَيْنَ نُوحٍ ، وَآدَمَ ، عَشْرَةُ قُرُونٍ ،
كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ ( وفي رواية : كُلُّهُمْ عَلَى الإِسْلاَم
ِ) فَاخْتَلَفُوا ، (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ”
.
انظر : ” تفسير الطبري ” (3/621) ، ” تفسير ابن كثير ” (3/431) .
– أن هذه المقالة صحيحة بالنسبة لجميع الأديان إلا الإسلام ، فإنها كلها ديانات
حادثة اخترعها الإنسان ، فهي من صنع الإنسان ، هو الذي رتبها ورتب طقوسها وأعيادها
.. إلخ .
أما الإسلام والتوحيد ، فتوحيد الله تعالى سابق على كل شيء ، ( اللَّهُمَّ أَنْتَ
الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ)
هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يثني على الله تعالى فيما رواه البخاري (4888(
، ومسلم (2713) .
– أن الرسالة النبوية إنما جاءت لهداية الناس وتعليمهم أمر ربهم ، ولولا هذه
الرسالات السماوية ، واتباع كثير من الناس لها ، لنزل العذاب بالإنسان ، ولما كان
له وجود في هذه الحياة ، ولعم الأرض الخراب ، ولفسدت السموات والأرض ومن فيهن ، قال
تعالى : ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ
وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)المؤمنون/ 71 .
فلولا الإيمان والدين لكان وجود الحيوانات والجمادات والنباتات أكرم من وجود
الإنسان ، فالإنسان بغير دين الإسلام شر مخلوق على وجه الأرض .
– ثم أخيرا .. ماذا يريد قائل هذه العبارة بكون الإنسان وجد قبل الدين ؟ فلا يعنينا
من وجد أولا! الذي يعنينا هو : هل الدين (الإسلام) أمر الله به أم لا ؟
وهل طاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمر الله بها أم لا ؟
وهل هناك دين على وجه الأرض الآن هو الحق وكل ما عداه باطل إلا الإسلام أم لا ؟
وهل يدخل كل من أعرض عن التوحيد وعن طاعة الله تعالى وعن الإسلام النار ويخلد فيها
أم لا ؟
هل أمرنا الله تعالى أن نعيش حياتنا كلها على وفق شرعه أم لا ؟
هذا هو الذي يعنينا سواء وجد الإنسان قبل الدين أم وجد بعده .
نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلا
ويرزقنا اجتنابه .
والله أعلم .
