السؤال:
أنا كنت ملتزم دينيا إلى حد ما ، ثم حدثت لي انتكاسه غير عادية في حياتي ، وفي كل شيء ، بسبب الشهوة والجنس ، حتى مارست كل شيء …. ولا أعرف كيف الخلاص من هذا الأمر ، وفشلت كثيرا في محاولات السيطرة .
والمشكلة هي أنني سيتم زواجي بعد أشهر قليلة ، ولا أعرف هل أقول لزوجتي كل ما سبق أم لا؟ وثانيا : هل لي من توبة ؟ وهل سيقبلني الله عنده من التائبين بعد ما فعلت ..؟!
أنا أعيش في هم وغم وتنغيص على حياتي في كل شيء ، وحزن دائم ، بسبب كل ما فعلته سابقا ، وما قد أفعله مستقبلا ، لا أعرف ما الذي علي فعله ؟

الجواب :

 

الحمد لله

أولا :

لا شك أن الزنا هو من أقبح القبائح ، وأشنع الفواحش التي تجلب غضب الله وعقابه على 
فاعله ، وقد اتفقت على تشنيعها والتنفير منها الشرائع السماوية جميعا ، بل والفطر
السوية أيضا ؛ حتى لقد روى البخاري (3849) عن عمرو بن ميمون الأودي ، وهو من كبار
التابعين ، قال : ( رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا
قِرَدَةٌ ، قَدْ زَنَتْ ، فَرَجَمُوهَا ، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ ) !!

وينظر جواب السؤال رقم 20983
ورقم 128111
ورقم 115486

ثانيا

من أسرف على نفسه بالذنوب ثم تاب توبة صادقة ، تامة الشروط : بأن أقلع عن الذنب
وندم على ما فات ، وعزم على عدم العودة إليه ، تاب الله عليه وإن كانت ذنوبه مثل
زبد البحر ، فإن قدر أنه وقع في الذنب مرة أخرى ، فإنه يعود للتوبة مجددا ولا ييأس
من رحمة الله ، ثم لا يتجرأ عليه ، ولا يأمن من مكر الله ؛ بل يسير إلى ربه بين
الأمرين ؛ قال تعالى ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ
لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر : 53 .

وقد قيل للحسن البصري رحمه الله : ألا يستحي أحدنا من ربه ، يستغفر من ذنوبه ثم
يعود ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال : ” ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من
الاستغفار ” . انتهى من كتاب ” التوبة لابن أبي الدنيا ” (ص/ 119) .

ومن كرمه وإحسانه سبحانه ، أنه يبدل سيئات التائب حسنات ، مهما كان ذنبه ، ومهما
عظم جرمه ، كما قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً
آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا
يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/68- 70.

وما ذاك إلا لأن الله عز وجل يحب توبة عبده ، ويفرح بها أشد من فرح رجل وجد بعيره
من غير قصد وقد أضاعه في صحراء قاحلة ، قال صلى الله عليه وسلم ( الله أفرح بتوبة
عبده من أحدكم ، سقط على بعيره ، وقد أضله في أرض فلاة ) رواه البخاري (6309) ومسلم
(2675) .

 

وكم من مذنب مسرف على نفسه ، مستوجب للقتل والتقطيع إربا ، تاب ، فتاب الله عليه ،
وقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : (
كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ، ثم خرج يسأل ، فأتى راهبا فسأله
فقال له : هل من توبة ؟ قال : لا ، فقتله ، فجعل يسأل ، فقال له رجل : ائت قرية كذا
وكذا ، فأدركه الموت ، فناء بصدره نحوها ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة
العذاب ، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي ، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي ، وقال :
قيسوا ما بينهما ، فوجد إلى هذه أقرب بشبر ، فغفر له ) أخرجه البخاري برقم (3470)
ومسلم برقم (2766) .

وينظر جواب السؤال رقم (13990) ، ورقم (45887)
.

 

ثالثا :

وأما ما ذكرته من إخبار الزوجة بما قد كان منك ، فهذا من وسوسة الشيطان لك ، يريد
أن يزرع بذور الشقاق بينك وبين زوجتك ، حتى إذا ما تم زواجكما ، وأنستما إلى بعضكما
، جاء فسقى هذه البذرة ، فأنبتت بينكما المصائب والمتاعب ، فالحذر الحذر من اتباع
خطوات الشيطان وقد قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ
يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) سورة النور : 24 .

 

فلا ينبغي لرجل عاقل أن يقدم على إخبار زوجته – ولا غيرها – بما قد كان منه ، من
أمور قد سترها الله عليه ، فإن من إحسان الله تعالى على عبده أن يستره ، ولا يكشف
أمره ، ولهذا كان من القبيح أن يفضح الإنسان نفسه وقد ستره الله ، بل ينبغي أن
يستتر بستر الله تعالى .

قال صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عز وجل عنها ، فمن
ألم فليستتر بستر الله عز وجل ) والحديث رواه البيهقي وصححه الألباني في السلسلة
الصحيحة برقم (663)/.

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في التعليق على قصة ماعز رضي الله عنه :

” ويؤخذ من قضيته : أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر
نفسه ، ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز . وأن من اطلع على ذلك
يستر عليه بما ذكرنا ، ولا يفضحه ، ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه
وسلم في هذه القصة ” لو سترته بثوبك لكان خيرا لك ” ، وبهذا جزم الشافعي رضي الله
عنه ، فقال : أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه : أن يستره على نفسه ويتوب ، واحتج
بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر . وفيه : أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى
التوبة منها ، ولا يخبر بها أحدا ، ويستتر بستر الله ، وإن اتفق أنه أخبر أحدا :
فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر ”
انتهى من “فتح الباري” (12/124) .

 

على أنه لا يحل لك أيضا : أن تقدم على الزواج من فتاة خيِّرة صالحة ، وأنت بهذه
الحال ، حتى تتوب إلى ربك توبة نصوحا صادقة ، تقلع فيها عما سلف منك ومضى ، وتندم
عليه ، وتعزم بصدق أنك لن تعود إلى ذلك أبدا ، وقد من الله عليك بالحلال الذي يكفيك
، وتعاهد ربك ، ذا الجلال والإكرام على ذلك .

 

ثم نحن نشير عليك أن تترك ذلك المكان الذي ارتكبت فيه كل ما ارتكبت ، وتيسرت لك فيه
المعصية ، وتقطع سبل التواصل مع أهلها الذين شاركوك فيها وأعانوك عليها ، فتغير
عنوان إقامتك ، وبريدك الإلكتروني ، ورقم هاتفك ، وتقطع كل سبيل يمكن أن يتواصل معك
قرناء السوء ، أو تتواصل معهم من خلالها ؛ شريطة أن تكون صادقا في هذه القطيعة ،
ولا تدع لك نسخة احتياطية ، تستعملها ، حينما تدعوك نفسك إلى ذلك .

 

وللفائدة يرجى مراجعة السؤال رقم (83093) .