الجواب :
الحمد لله
كانت العرب قد اتخذت طواغيت يعبدونها من دون الله ، وكان من أشهرها : اللات والعزى
ومناة ، قال الله تعالى : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ
الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ) النجم/ 19 -20 .
قال الطبري رحمه الله :
” وأما العُزَّى : فإن أهل التأويل اختلفوا فيها ، فقال بعضهم : كانت شجرات
يعبدونها .
وهو قول مجاهد .
وقال آخرون : كانت العُزَّى حَجَرا أبيض ، وهو قول سعيد بن جبير .
وقال آخرون : كان بيتا بالطائف تعبده ثقيف ، وهو قول ابن زيد .
وقال آخرون : بل كانت ببطن نَخْلة ” انتهى بمعناه من ” تفسير الطبري ” (22/524) .
وقال الثعلبي في ” تفسيره ”
(9/145) :
” وَالْعُزَّى اختلفوا فيها : فقال مجاهد : هي شجرة لغطفان يعبدونها ، وهي التي بعث
إليها رسول الله خالد بن الوليد فقطعها ، وجعل خالد يضربها بالفأس ويقول :
يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحَانَك … إنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكَ
فخرجت منها شيطانة ، ناشرة شعرها داعية ويلها ، واضعة يدها على رأسها .
وقال الضحاك : وهي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني .
وقال ابن زيد : هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف ” انتهى مختصرا .
وقال ياقوت الحموي رحمه الله
:
” العزّى: سَمُرَة ( أي : شجرة ) كانت لغطفان يعبدونها وكانوا بنوا عليها بيتا
وأقاموا لها سدنة ، فبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد إليها فهدم
البيت وأحرق السّمرة .
والعزّى تأنيث الأعزّ مثل الكبرى تأنيث الأكبر ، والأعزّ بمعنى العزيز والعزى بمعنى
العزيزة ، وقال ابن حبيب : العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان وسدنتها من
بني صرمة بن مرّة ، قال أبو منذر بعد ذكر مناة واللّات : ثم اتخذوا العزّى وهي أحدث
من اللات ومناة ، وذلك أني سمعت العرب سمّت بها عبد العزّى ، وكان الذي اتخذ العزّى
ظالم بن أسعد ، وكانت بواد من نخلة الشامية ، فبني عليها بيتا ، وكانوا يسمعون فيه
الصوت ، وكانت العرب وقريش تسمّي بها عبد العزّى ، وكانت أعظم الأصنام عند قريش ،
وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقرّبون عندها بالذبائح ” انتهى من ” معجم البلدان ”
(4/116-117) .
والراجح أن العزى كانت بيتا
بنخلة يعبدونه ويعظمونه كما يعظمون الكعبة ، على ثلاث شجرات مقدسة عندهم ، فيها
شيطانة ، فيعبدون البيت ويطوفون به ، وتكلمهم هذه الشيطانة من داخله ، فتزيدهم غيا
إلى غيهم ، وضلالا إلى ضلالهم ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد
رضي الله عنه ، فهدم البيت ، وقتل الشجرات ، وقتل الشيطانة – وهي التي كانوا
يعبدونها في الحقيقة من دون الله – .
روى النسائي (11483) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ: لَمَّا فَتْحَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى
نَخْلَةٍ ، وَكَانَتْ بِهَا الْعُزَّى ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ , وَكَانَتْ عَلَى
ثَلَاثِ سَمُرَاتٍ ، فَقَطَعَ السَّمُرَاتِ ، وَهَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ
عَلَيْهَا ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ
، فَقَالَ : ( ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا ) , فَرَجَعَ خَالِدٌ ،
فَلَمَّا بَصُرَتْ بِهِ السَّدَنَةُ وَهُمْ حَجَبَتُهَا ، أَمْعَنُوا فِي الْجَبَلِ
, وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا عُزَّى يَا عُزَّى ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ , فَإِذَا
امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ , نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا , تَحْتَفِنُ التُّرَابَ عَلَى
رَأْسِهَا ، فَعَمَّمَهَا بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ : ( تِلْكَ
الْعُزَّى ) ، وهذا إسناد حسن ، وحسنه الشيخ مقبل الوادعي في ” الصحيح المسند ”
(533) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
” قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ : ” وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ اتَّخَذَتْ
مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ
، بِهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ وَتُهْدِي لَهَا كَمَا يُهْدَى للكعبة، وتطوف بها
كطوافها بِهَا، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا ، وَهِيَ تَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ
عَلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا بَيْتُ إبراهيم عليه السلام
ومسجده : فكانت لقريش ولبني كِنَانَةَ الْعُزَّى بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا
وَحُجَّابُهَا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ سُلَيْمٍ ، حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ .
قُلْتُ ( ابن كثير ) : بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، فَهَدَمَهَا وَجَعَلَ يَقُولُ :
يا عزّى كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ … إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ ”
انتهى من ” تفسير ابن كثير ” (7/ 423) .
وقال الفيروزآبادي رحمه الله
:
” العزى : صَنَمٌ ، أو سَمُرَةٌ عَبَدَتْهَا غَطفَانُ ، أولُ منِ اتَّخَذَهَا
ظَالِمُ بنُ أسْعَدَ ، فَوْقَ ذاتِ عِرْقٍ إلى البُسْتَانِ بِتِسْعَةِ أميالٍ ،
بنَى عليها بَيْتاً ، وسَمَّاهُ بُسّاً . وكانوا يَسْمَعونَ فيها الصَّوْتَ ،
فَبَعَثَ إليها رسولُ الله ، صلى الله عليه وسلم ، خالِدَ بنَ الوَليدِ ، فَهَدَمَ
البيتَ ، وأحْرَقَ السَّمُرَةَ ” انتهى من ” القاموس المحيط ” (ص/517) .
والله أعلم .
