الجواب :
الحمد لله
أولا :
لا شك أن تصحيح النية ، واستحضارها في بداية العمل ، من أعظم ما ينبغي أن يشتغل به
العابد ، فإن عليها مدار قبول العمل أو رده ، وعليها مدار صلاح القلب أو فساده ؛
فإن القلب لا يصلح إلا بأن يكون عمله وسعيه لله خالصا مما سواه .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ،
وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) متفق عليه .
قال النووي رحمه الله :
” أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِظَمِ مَوْقِعِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَثْرَةِ
فَوَائِدِهِ وَصِحَّتِهِ …
ثم قال :
قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُولِ
وَغَيْرُهُمْ : لَفْظَةُ ( إِنَّمَا ) مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ ، تُثْبِتُ
الْمَذْكُورَ ، وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ . فَتَقْدِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ
الْأَعْمَالَ تُحْسَبُ بِنِيَّةٍ ، وَلَا تُحْسَبُ إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّةٍ .
وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ ، وَهِيَ الْوُضُوءُ ، وَالْغُسْلُ
وَالتَّيَمُّمُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ
وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالِاعْتِكَافُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ ”
انتهى من ” شرح مسلم للنووي ” (13/47) .
وقال ابن رجب رحمه الله :
” وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : « وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى » إِخْبَارٌ
أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَا نَوَاهُ بِهِ ، فَإِنْ نَوَى
خَيْرًا حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ ، وَإِنْ نَوَى بِهِ شَرًّا حَصَلَ لَهُ شَرٌّ ،
وَلَيْسَ هَذَا تَكْرِيرًا مَحْضًا لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ
الْأُولَى دَلَّتْ عَلَى أَنَّ صَلَاحَ الْعَمَلِ وَفَسَادَهُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ
الْمُقْتَضِيَةِ لِإِيجَادِهِ ، وَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ
ثَوَابَ الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ الصَّالِحَةِ ، وَأَنَّ
عِقَابَهُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ الْفَاسِدَةِ ، وَقَدْ تَكُونُ نِيَّتُهُ
مُبَاحَةً ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ مُبَاحًا ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابٌ وَلَا
عِقَابٌ ، فَالْعَمَلُ فِي نَفْسِهِ صَلَاحُهُ وَفَسَادُهُ وَإِبَاحَتُهُ بِحَسَبِ
النِّيَّةِ الْحَامِلَةِ عَلَيْهِ ، الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُودِهِ ، وَثَوَابُ
الْعَامِلِ وَعِقَابُهُ وَسَلَامَتُهُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ الَّتِي بِهَا صَارَ
الْعَمَلُ صَالِحًا ، أَوْ فَاسِدًا ، أَوْ مُبَاحًا ” انتهى من ” جامع العلوم
والحكم ” (1/65) ، وينظر : “إعلام الموقعين” (3/91) .
ثانيا :
النية التي عليها مدار الصحة والفساد ، والتي يذكرها الفقهاء : هي نية تمييز العمل
عما سواه ، وأما النية التي عليها مدار قبول العمل أو رده : فهي قصد تمييز ”
المعمول له ” ، المعبود ، عمن سواه ، وهي التي يعبَّر عنها بالإخلاص .
قال ابن رجب رحمه الله :
” وَاعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي اللُّغَةِ نَوْعٌ مِنَ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ
، وَإِنْ كَانَ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِمَا لَيْسَ هَذَا
مَوْضِعَ ذِكْرِهِ .
وَالنِّيَّةُ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ تَقَعُ بِمَعْنَيَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : بِمَعْنَى تَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ ،
كَتَمْيِيزِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَثَلًا ، وَتَمْيِيزِ
صِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ صِيَامِ غَيْرِهِ ، أَوْ تَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ مِنَ
الْعَادَاتِ ، كَتَمْيِيزِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ التَّبَرُّدِ
وَالتَّنَظُّفِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ هِيَ الَّتِي تُوجَدُ
كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ .
وَالْمَعْنَى الثَّانِي : بِمَعْنَى تَمْيِيزِ الْمَقْصُودِ بِالْعَمَلِ ، وَهَلْ
هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، أَمْ غَيْرُهُ ، أَمِ اللَّهُ وَغَيْرُهُ
، وَهَذِهِ النِّيَّةُ هِيَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا الْعَارِفُونَ فِي
كُتُبِهِمْ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَتَوَابِعِهِ ، وَهِيَ الَّتِي
تُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ ” انتهى من ” جامع
العلوم والحكم ” (1/65) .
فحاصل ذلك :
أن النية التي يتوقف عليها صحة العمل : هي تمييز هذا العمل الذي يريده المكلف ؛
فيميز غسل الجنابة ، من غسل التنظف أو التبرد ، ونحو ذلك .
وهذا هو المطلوب في تصحيح العمل .
وأما نية التقرب ، فهي مما يتفاوت فيه الناس تفاوتا عظيما ، وبحسب تحقيقها
وإخلاصها يكون قدر العامل وعمله عند الله .
ولا يلزم في ذلك أن يستحضر العامل نية ” التقرب ” ، بخصوص ذلك اللفظ ، بل لو نوى
” العبادة ” ، أو ” التعبد لله ” أو طاعته ، أو التزام أمره ، ونحو ذلك من المقاصد
الشرعية الصحيحة : فهي كافية .
ينظر : ” الموسوعة الفقهية ” (33/92) وما بعدها ، ” مقاصد المكلفين ” للأشقر
(50-56) .
ولعله لذلك ذهب من ذهب من الفقهاء إلى أنه لا يشترط نية ” التقرب ” في العمل ،
بخصوصها ؛ بل يكفي أن ينوي العمل المعين ، أو العبادة المعينة ، مع تمييزها عن
غيرها .
ينظر : ” التلخيص في أصول الفقه ” للجويني (1/486) ، ” المستصفى من علم الأصول ”
للغزالي (1/62) .
وهذه النية المطلوبة في تصحيح العمل : عادة ما تكون حاصلة في قلب العبد عند عمله
؛ وإلا فما الذي يدفع من أراد الدخول في الإسلام : إلى الغسل ، وما الذي يدفع
الحائض إذا طهرت إلى الغسل ، لا سيما في البرد الشديد ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مَعَارِفُ وَإِرَادَاتٌ ، وَلَا
يَدْرِي أَنَّهَا فِي قَلْبِهِ ، فَوُجُودُ الشَّيْءِ فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ ،
وَالدِّرَايَةُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ ; وَلِهَذَا يُوجَدُ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ
يَطْلُبُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي قَلْبِهِ ، فَتَرَاهُ
يَتْعَبُ تَعَبًا كَثِيرًا لِجَهْلِهِ ، وَهَذَا كَالْمُوَسْوَسِ فِي الصَّلَاةِ ;
فَإِنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا بِاخْتِيَارِهِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا
يَفْعَلُهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ ، وَوُجُودُ ذَلِكَ بِدُونِ النِّيَّةِ –
الَّتِي هِيَ الْإِرَادَةُ – مُمْتَنِعٌ ، فَمَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُومُ
إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَلِّيَ
إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَطَلَبُ مِثْلِ هَذَا لِتَحْصِيلِ النِّيَّةِ
مِنْ جَهْلِهِ بِحَقِيقَةِ النِّيَّةِ وَوُجُودِهَا فِي نَفْسِهِ .
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ
يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّوْمِ ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِلصَّوْمِ ، فَهَذَا نِيَّةُ
الصَّوْمِ . وَهُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ ،
وَلِهَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ ، وَعِشَاءِ لَيَالِي شَهْرِ
رَمَضَانَ ، فَلَيْلَةُ الْعِيدِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصُومُ ، فَلَا يُرِيدُ
الصَّوْمَ وَلَا يَنْوِيهِ ، وَلَا يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ .
وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ، وَيَمْشِي وَيَرْكَبُ ، وَيَلْبَسُ ،
إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ ، فَلَا بُدَّ أَنْ
يُرِيدَهَا ، وَهَذِهِ نِيَّتُهَا ، فَلَوْ قَالَ بِلِسَانِهِ : أُرِيدُ أَنْ
أَضَعَ يَدِيَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ لِآخُذَ لُقْمَةً آكُلُهَا ، كَانَ أَحْمَقَ
عِنْدَ النَّاسِ . فَهَكَذَا مَنْ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي
نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ ” انتهى من ” منهاج السنة النبوية
” (5/398-399) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
” النية قصد فعل الشيء ، فكل عازم على فعل فهو ناويه ، لا يتصور انفكاك ذلك عن
النية فإنه حقيقتها ، فلا يمكن عدمها في حال وجودها ، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى
الوضوء ، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة ، ولا يكاد العاقل يفعل شيئاً من العبادات
ولا غيرها بغير نية ، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة ، لا يحتاج إلى تعب
ولا تحصيل . ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك . ولو كلفه الله
عز وجل الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق ، ولا يدخل تحت وسعه ” انتهى من ”
إغاثة اللهفان ” (1/137) .
والله أعلم .
